عنوان الفتوى: التوسل بالدعاء، وآداب الدعاء وشروطه

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

هل يجوز الدعاء بجاه العمل الصالح أو التوسل بالعمل الصالح وكيف ذلك؟ سؤال هل هناك أدعية لتفريج الكرب والهموم؟ وهل أي دعاء ندعو به فورا يستجاب؟ وما هي آداب الدعاء بالتفصيل مع مثال وما هي شروط استجابة الدعاء وأوقات دعاءه بالتفصيل؟

نص الجواب

رقم الفتوى

5095

28-أبريل-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فإن التوسل إلى الله تعالى بالعمل الصالح مما أجمع العلماء على مشروعيته، ودليله ما ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول:" بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يَمْشُونَ إِذْ أَصَابَهُمْ مَطَرٌ فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ فَانْطَبَقَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنَّهُ وَاللَّهِ يَا هَؤُلَاءِ لَا يُنْجِيكُمْ إِلَّا الصِّدْقُ، فَليَدْعُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ صَدَقَ فِيهِ.

فَقَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ لِي أَجِيرٌ عَمِلَ لِي عَلَى فَرَقٍ مِنْ أَرُزٍّ فَذَهَبَ وَتَرَكَهُ وَأَنِّي عَمَدْتُ إِلَى ذَلِكَ الْفَرَقِ فَزَرَعْتُهُ فَصَارَ مِنْ أَمْرِهِ أَنِّي اشْتَرَيْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَأَنَّهُ أَتَانِي يَطْلُبُ أَجْرَهُ فَقُلْتُ لَهُ اعْمِدْ إِلَى تِلْكَ الْبَقَرِ فَسُقْهَا فَقَالَ لِي إِنَّمَا لِي عِنْدَكَ فَرَقٌ مِنْ أَرُزٍّ فَقُلْتُ لَهُ اعْمِدْ إِلَى تِلْكَ الْبَقَرِ فَإِنَّهَا مِنْ ذَلِكَ الْفَرَقِ فَسَاقَهَا فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَتِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا، فَانْسَاحَتْ عَنْهُمْ الصَّخْرَةُ.

فَقَالَ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ فَكُنْتُ آتِيهِمَا كُلَّ لَيْلَةٍ بِلَبَنِ غَنَمٍ لِي فَأَبْطَأْتُ عَلَيْهِمَا لَيْلَةً فَجِئْتُ وَقَدْ رَقَدَا وَأَهْلِي وَعِيَالِي يَتَضَاغَوْنَ مِنْ الْجُوعِ فَكُنْتُ لَا أَسْقِيهِمْ حَتَّى يَشْرَبَ أَبَوَايَ فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُمَا وَكَرِهْتُ أَنْ أَدَعَهُمَا فَيَسْتَكِنَّا لِشَرْبَتِهِمَا فَلَمْ أَزَلْ أَنْتَظِرُ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَتِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا فَانْسَاحَتْ عَنْهُمْ الصَّخْرَةُ حَتَّى نَظَرُوا إِلَى السَّمَاءِ.

فَقَالَ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ لِي ابْنَةُ عَمٍّ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ وَأَنِّي رَاوَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا فَأَبَتْ إِلَّا أَنْ آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ فَطَلَبْتُهَا حَتَّى قَدَرْتُ فَأَتَيْتُهَا بِهَا فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهَا فَأَمْكَنَتْنِي مِنْ نَفْسِهَا فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا فَقَالَتْ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ فَقُمْتُ وَتَرَكْتُ الْمِائَةَ دِينَارٍ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَتِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا فَفَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَخَرَجُوا".

وكيفية التوسل بالعمل:

أن يقول: اللهم إني أتوسل بصلاتي أو بصيامي أو بصدقتي أن تغفر لي، أو اللهم اغفر لي بحق ممشاي إلى طاعتك أو بحق صلاتي أو بحق صدقتي أو نحو ذلك من الألفاظ، ولا يتعين في ذلك لفظٌ مخصوص.

وأما الدعاء الذي يكون عند الكرب والغم، فما رواه الترمذي والنسائي والحاكم وغيرهم عن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:" دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنْ الظَّالِمِينَ فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَه".

ورواه الحاكم بلفظ:" ألا أخبركم بشيء إذا نزل برجل منكم كرب، أو بلاء من بلايا الدنيا دعا به يفرج عنه"؟

فقيل له: بلى، فقال:" دعاء ذي النون: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين".

والكرب: الحزن والغم يأخذ بالنفس، البلاء: الاخْتِبار بالخير ليتَبَيَّن الشُّكر، وبالشَّر ليظْهر الصَّبْر.

وإذا دعا العبد ربه لم يفته واحدٌ من أمور ثلاثة، ففي سنن الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:" مَا مِنْ رَجُلٍ يَدْعُو اللَّهَ بِدُعَاءٍ إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ، فَإِمَّا أَنْ يُعَجَّلَ لَهُ فِي الدُّنْيَا، وَإِمَّا أَنْ يُدَّخَرَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يُكَفَّرَ عَنْهُ مِنْ ذُنُوبِهِ بِقَدْرِ مَا دَعَا؛ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، أَوْ يَسْتَعْجِلْ. قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَسْتَعْجِلُ؟ قَالَ: يَقُولُ دَعَوْتُ رَبِّي فَمَا اسْتَجَابَ لِي".

آداب الدعاء ووقته:

قال الإمام النووي في الأذكار: (قال الإمام أبو حامد الغزالي في الإحياء: آداب الدعاء عشرة:

الأول: أن يترصد الأزمان الشريفة، كيوم عرفة، وشهر رمضان، ويوم الجمعة، والثلث الأخير من الليل، ووقت الأسحار.

الثاني: أن يغتنم الأحوال الشريفة، كحالة السجود، والتقاء الجيوش، ونزول الغيث، وإقامة الصلاة، وبعدها.

قلت - النووي -: وحالة رقة القلب.

الثالث: استقبال القبلة، ورفع اليدين، ويمسح بهما وجهه في آخره.

الرابع: خفض الصوت بين المخافتة والجهر.

الخامس: أن لا يتكلف السجع، وقد فسر به الاعتداء في الدعاء...

السادس: التضرع والخشوع والرهبة، قال الله تعالى: {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين} [ الأنبياء: 90 ] وقال تعالى: (ادعوا ربكم تضرعا وخفية) [ الأعراف: 55 ].

 السابع: أن يجزم بالطلب، ويوقن بالإجابة، ويصدق رجاءه فيها، ودلائله كثيرة مشهورة.

قال سفيان بن عيينة رحمه الله: لا يمنعن أحدكم من الدعاء ما يعلمه من نفسه، فإن الله تعالى أجاب شر المخلوقين إبليس، إذ قال: رب أنظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين) [ الأعراف: 14 - 15 ].

الثامن: أن يلح في الدعاء ويكرره ثلاثا، ولا يستبطئ الإجابة.

التاسع: أن يفتتح الدعاء بذكر الله تعالى.

قلت: وبالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الحمد لله تعالى والثناء عليه، ويختمه بذلك كله أيضا.

العاشر: وهو أهمها والأصل في الإجابة، وهو التوبة، ورد المظالم، والإقبال على الله تعالى).

شروط استجابة الدعاء:

قال العلامة الحسن علي بن محمد بن إبراهيم بن عمر الخازن في تفسيره لباب التأويل في معاني التنزيل: ( الدعاء له شروط منها: الإخلاص في الدعاء، وأن لا يدعو وقلبه لاهٍ مشغول بغير الدعاء، وأن يكون المطلوب بالدعاء مصلحة للإنسان، وأن لا يكون فيه قطيعة رحم، فإذا كان الدعاء بهذه الشروط كان حقيقاً بالإجابة فإما أن يعجلها له وإما أن يؤخرها له).

وثبت من حديث  أبي هريرة  عند  مسلم  قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ }[المؤمنون:51 ]، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ }[البقرة:172]. ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك"، والله أعلم.

  • والخلاصة

    يجوز الدعاء بجاه العمل الصالح، وهذا النوع من التوسل المشروع بإجماع، ودعاء الكرب هو:{لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}[الأنبياء:87] فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ).