عنوان الفتوى: زخرفة المساجد

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

سؤال هل يجوز لمن يبني مسجد أن يزخرفه ويضع فيه كل شيء فارهٍ؟ أو تزيين المسجد بأشياء ثمينة؟

نص الجواب

رقم الفتوى

4922

26-مايو-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فلقد اهتم المسلمون عبر التاريخ بإظهار روائع الفن الإسلامي من خلال عمارة المساجد وتشييدها، وزخرفتها وتزيينها حتى صارت مساجدهم صروحاً ضخمة، ومعالم حضارية بارزة، شاهدة على الحضارة الإسلامية الراقية والفن المعماري الأصيل لدى المسلمين، حتى في الدول التي انحسرت عنها الخلافة الإسلامية، كالأندلس وتركيا والهند وغيرها، ولا ننسى المراحل المختلفة التي مر بها إعمار وتوسيع وزخرفة المسجد النبوي الشريف، والمسجد الحرام.

وبلاد المسلمين اليوم مليئة بالمساجد التي خلدها التاريخ منذ عصر الخلافة الأموية وما بعدها إلى يومنا هذا كالمسجد الأموي الكبير في دمشق الذي بناه الوليد بن عبد الملك الخليفة الأموي واستعان في عمارته بالمعماريين والمزخرفين من أهل الشام، وهو من روائع الفن المعماري الإسلامي، وجامع عقبة بن نافع بالقيروان وجامع الزيتونة بتونس والجامع الكبير في قرطبة، والجامع الأزهر في مصر والجامع الكبير في سامراء وجامع الشيخ زايد الكبير في أبو ظبي، وغيرها من مساجد المسلمين، وتعتبر هذه المساجد قبلة الزائرين والعلماء والدارسين، فهي مدارس ومعاهد وجامعات لمختلف العلوم والفنون.

وإنما كان حافزهم في ذلك قول الله تعالى:{إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَـئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ }[التوبة:18]، وما جاء عن عائشة قالت:" أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب "، رواه أبو داود والترمذي.

وقد دلت هذه النصوص على أن  عمارة المساجد وبنائها وتعظيمها وصيانتها من العبادات العظيمة والقربات الجليلة عند الله.

وأما زخرفة المساجد وتزيينها والنقش على جدرانها، فقد فرّق الفقهاء بين أن يكون ذلك بالذهب والفضة، أو من مال الوقف، فمنعوه، وبين أن يكون من مال المتبرع ببناء المسجد، فمنهم من كرهه، ومنهم من أجازه مستدلاً بما فعله سيدنا عثمان رضي الله عنه بمسجد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقد جاء في فتح الباري: (عن صالح بن كيسان: ثنا نافع، أن عبد الله اخبره، أن المسجد كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مبنيا باللبن، وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئا، وزاد فيه عمر، وبناه على بنيانه في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باللبن والجريد، وأعاد عمده خشبا، ثم غيره عثمان، فزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة، وجعل عمده من حجارة منقوشة، وسقفه بالساج)، القصة: الجص، والساج: نوع من أرفع أنواع الخشب، يجلب من بلاد الهند والزنج.

ويستدل بما فعله عثمان من يرخص في تجصيص المساجد وتزويقها ونقشها.

فعن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال عند قول الناس فيه حين بنى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكم أكثرتم علي وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" من بنى مسجداً يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتاً في الجنة وفي رواية بنى الله له مثله في الجنة "، رواه البخاري ومسلم وغيرهما.

وجاء في فيض القدير:" قال ابن بطال وغيره: فيه دلالة على أن السنة في بنيان المساجد القصد وترك الغلو في تحسينه وقد كان عمر مع كثرة الفتوح في أيامه وسعة المال عنده لم يغير المسجد عما كان عليه وأول من زخرف المساجد الوليد بن عبد الملك وسكت كثير من السلف عنه خوف الفتنة لكن رخص فيه أبو حنيفة إذا قصد فيه تعظيم المسجد إذا وقع الصرف فيه من غير بيت المال ".

وللمزيد من البيان ننقل أقوال أصحاب المذاهب الأربعة في هذه المسألة:

1- المالكية: يندب عندهم تحسين بناء المسجد، وتجصيصه، وأما تزويق المساجد وزخرفتها، فمنهم من كرهه لكونه يشغل قلب المصلي، ومنهم من أجازه إذا كان خفيفاً.

جاء في البيان والتحصيل لابن رشد المالكي:" وتحسين بناء المساجد وتحصينها مما يستحب، وإنما الذي يكره تزويقها بالذهب وشبهه والكتب في قبلتها، لأن ذلك مما يشغل المصلين ويلهيهم عن الصلاة ... ولابن نافع وابن وهب في المبسوطة إجازة تزويق المساجد وتزيينها بالشيء الخفيف ومثل الكتابة في قبلتها، ".

2- الحنفية: قالوا لا بأس بنقش المسجد بِالجص والساج وماء الذهب، وكرهوا كون ذلك في المحراب:

قال الإمام الحصكفي الحنفي رحمه الله في الدر المختار: (ولا بأس بنقشه خلا محرابه) فإنه يكره، لأنه يلهي المصلي، ويكره التكلف بدقائق النقوش ونحوها خصوصاً في جدار القبلة، قاله الحلبي، وفي حظر المجتبى: وقيل يكره في المحراب دون السقف والمؤخر) انتهى.

وقال السرخسي في المبسوط: (وَلَا بَأْسَ أَنْ يُنْقَشَ الْمَسْجِدُ بِالْجِصِّ وَالسَّاجِ وَمَاءِ الذَّهَبِ) .

وجاء في العناية شرح الهداية: (وَلِأَنَّ فِي تَزْيِينِهِ تَرْغِيبَ النَّاسِ فِي الِاعْتِكَافِ وَالْجُلُوسِ فِي الْمَسَاجِدِ لِانْتِظَارِ الصَّلَاةِ، وَذَلِكَ لَا مَحَالَةَ حَسَنٌ).

3- الشافعية والحنابلة: عللوا الحكم بانشغال قلب المصلي.

 قال الإمام النووي في المجموع في الفقه الشافعي: (يكره زخرفة المسجد ونقشه وتزيينه للأحاديث المشهورة ولئلا تشغل قلب المصلي).

وجاء في كشاف القناع في الفقه الحنبلي:" (وَيُكْرَهُ) أَنْ يُزَخْرَفَ الْمَسْجِدَ (بِنَقْشٍ وَصِبْغٍ وَكِتَابَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُلْهِي الْمُصَلِّيَ عَنْ صَلَاتِهِ غَالِبًا ، وَإِنْ كَانَ) فَعَلَ ذَلِكَ (مِنْ مَالِ الْوَقْفِ حَرُمَ) فِعْلُهُ ".

وأما الحديث المروي عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ما أمرت بتشييد المساجد قال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى" رواه أبو داود؛ فقد ذكر بعض شراح الحديث أنه لا يقتضي الكراهة والمنع، ما لم يكن ذلك على وجه المباهاة والرياء.

جاء في مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للمباركفوري: قال ابن رسلان: والمشهور في الحديث أن المراد بتشييد المساجد هنا رفع البناء وتطويله ....والحديث قد استدل به بعضهم على منع تشييد المساجد وفيه نظر؛ لأن نفي كون التشييد مأموراً به لا يقتضي الكراهة والمنع بل يدل على عدم الوجوب، ونفي الوجوب قد يتحقق بجواز الفعل أيضاً فلا يستوجب الكراهة والمنع ....

وأما حديث أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:" مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ ". رواه أبوداود والنسائي والدارمي وابن ماجه، فهو محمول على قصد التباهي والتفاخر كما هو ظاهر من لفظه.

جاء في مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للمباركفوري: (أن يتباهى الناس) أي يتفاخرون، .... كأن يبالغ كل واحد في تزين مسجده وتزويقه وغير ذلك، وفيه دلالة مفهمة بكراهة ذلك (في المساجد) أي في بنائها يعني يتفاخر كل أحد بمسجده، يقول: مسجدي أرفع أو أزين أو أوسع أو أحسن علواً وزينة، رياء وسمعة واجتلاباً للمدحة، أو يأتون بهذا الفعل الشنيع-وهو المباهاة بما ذكر- وهم جالسون في المساجد. والحديث على المعنيين مما يشهد بصدقه الوجود، فهو من جملة المعجزات الباهرة له صلى الله عليه وسلم.

وأما حديث ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" أَرَاكُمْ سَتُشَرِّفُونَ مَسَاجِدَكُمْ بَعْدِي كَمَا شَرَّفَتْ الْيَهُودُ كَنَائِسَهَا وَكَمَا شَرَّفَتْ النَّصَارَى بِيَعَهَا ". فهو ضعيف قال السندي في حاشيته على ابن ماجه: وَلَعَلَّ الْمُرَاد سَتَجْعَلُونَ بِنَاءَهَا عَالِيًا مُرْتَفِعًا وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَاده ضَعِيف فِيهِ جُبَارَةُ بْن الْمُغَلِّس وَهُوَ كَذَّاب.

-وإن كثيراً من التحسينات الحضارية على المساجد قد طرأت بعد العصر الأول وأصبحت رمزاً وشعاراً إسلامياً كما هو الحال في المآذن والمنائر، فلم تكن المنائر موجودة في الصدر الأول من الإسلام، فقيل إن بلالا كان يرتقي أسطوانة مرتفعة في دار عبد الله بن عمر المواجهة للمسجد النبوي الشريف. 

وقد منع بعض الفقهاء من إعلائها في السابق لأنها لم تكن في عهد السلف، جاء في مواهب الجليل في حديثه عن المنائر: وكان في عهد السلف مدوراً، وكان قريبا من البيوت خلافا لما أحدثوه من تعلية المنار، وذلك يمنع لوجوه: (أحدها): مخالفة السلف (الثاني): أن يكشف حريم المسلمين (الثالث): أن صوته يبعد عن أهل الأرض ونداؤه إنما هو لهم.

ويجمع مؤرخو المسلمين على أن المساجد التي بنيت في الجزيرة العربية وسواها من الأمصار التي دخلت في دين الله كانت بلا مآذن، وأن أول من بنى مئذنة في الإسلام هو معاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنهما، وذلك في المسجد الجامع الكبير بدمشق الشام، وقيل غير ذلك. 

وأما في زماننا فقد اختلف الحكم وأصبحت المنائر من أبرز معالم المساجد، والمدن الإسلامية، وفي بعض المساجد - لا سيما الكبيرة منها- بنيت أكثر من مئذنة، ووصل عددها في بعض المساجد إلى عشر، كما هو الشأن في المسجد النبوي الشريف، ولو أنك دخلت مدينة معاصرة، خلت مساجدها من المنائر، لاختلط عليك الأمر ولم تميز بين المسجد و معابد غير المسلمين.

ومما سبق نجد أن الفقهاء الذين كرهوا الزخرفة والنقش في المساجد عللوا ذلك بأنه يشغل قلب المصلي، ويصرفه عن الخشوع، ويلهيه عن صلاته، ويفهم من هذه العلة أنه إذا لم يكن النقش أو الكتابة في المحراب أو في قبلة المسجد، ولكن كان في باقي جدران المسجد أو في قبلته ولكن في مكان عالٍ فوق المحراب، فلا حرج في ذلك لأنه لا يؤدي إلى إشغال قلب المصلي، لأن المطلوب من المصلي أن ينظر تجاه قبلته أوموضع سجوده، وألا يرفع بصره إلى السماء.

وبناء على ذلك فالواجب الشرعي إحكام بنيان المساجد، وتجميلها وطلائها وزخرفتها بما لا يشغل المصلين غالباً، لترغيب الناس بملازمة المساجد والاعتكاف بها وكثرة الخطا إليها، وتعظيمها وتوقيرها، جاء في عمدة القاري: وقال ابن المنير: (لما شيد الناس بيوتهم وزخرفوها ناسب أن يصنع ذلك بالمساجد صوناً لها عن الاستهانة).

وأما فرش المسجد بالفرش الفاخرة وإنارتها وتكييفها وصيانتها وتطييبها، فإن ذلك مطلوب شرعاً، بل مرغب فيه، والله أعلم.

  • والخلاصة

    لا بأس بنقش المسجد وزخرفته بِالجص والساج وماء الذهب، ما لم يكن ذلك بمال الوقف، وأما فرش المسجد بالفرش الفاخرة وإنارتها وتكييفها وصيانتها وتطييبها، فإن ذلك مطلوب شرعاً، بل مرغب فيه، والله أعلم.