عنوان الفتوى: التداوي بتمر عجوة المدينة

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن تمر عجوة المدينة يقي من السحر، فهل هو علاج للمس أو أمراض الجن بشكل عام بما أن السحر عمل من الجن؟

نص الجواب

رقم الفتوى

4872

17-مايو-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فأما تمر عجوة المدينة فقد ثبت عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أكلَها يقي من تَصَبَّحَ بها من السُّمِّ والسحر ، فقد روى الشيخان في صحيحيهما عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - : أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال :" مَن اصْطّبَحَ كلَّ يوم سَبْعَ تمرات من عجوة، لم يضُرَّه سُمّ ولا سِحْر ذلك اليوم إلى الليل".

وفي رواية أخرى: أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال :" مَن أكل سبع تمرات من بين لاَبَتَيْها حين يُصبح: لم يضرَّه سُمّ حتى يُمْسِي".

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري: العجوة ضرب من أجود تمر المدينة وألينه، وقال الداودي: هو من وسط التمر، وقال ابن الأثير: العجوة ضرب من التمر أكبر من الصيحاني يضرب إلى السواد، وهو مما غرسه النبي صلى الله عليه وسلم بيده بالمدينة...قال الخطابي: كون العجوة تنفع من السم والسحر إنما هو ببركة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لتمر المدينة لا لخاصية في التمر.

وقال القرطبي: ظاهر الأحاديث خصوصية عجوة المدينة بدفع السم وإبطال السحر، والمطلق منها محمول على المقيد، وهو من باب الخواص التي لا تدرك بقياس ظني، ومن أئمتنا من تكلف لذلك فقال: إن السموم إنما تقتل لإفراط برودتها، فإذا داوم على التصبح بالعجوة تحكمت فيه الحرارة وأعانتها الحرارة الغريزية فقاوم ذلك برودة السم ما لم يستحكم.... وقال ابن القيم: عجوة المدينة من أنفع تمر الحجاز، وهو صنف كريم ملزز متين الجسم والقوة، وهو من ألين التمر وألذه. قال: والتمر في الأصل من أكثر الثمار تغذية لما فيه من الجوهر الحار الرطب، وأكله على الريق يقتل الديدان لما فيه من القوة الترياقية، فإذا أديم أكله على الريق جفف مادة الدود وأضعفه أو قتله انتهى.

وقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم تمر المدينة للمفؤود، وهو كما قال في لسان العرب: المفؤُودُ الذي أُصيب فؤادُه بوجه .اهـ

ففي رواية أبي داود  عن سعدٍ رضي الله عنه قال :" مَرِضْتُ مرضا، فأتاني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يَعُودُني، فوضع يده بين ثَدْيَيَّ، حتى وجدتُ بَرْدَها على فؤادي، فقال: إنك رجل مَفْؤُود، ائْتِ الحارث بن كَلَدةَ أخا ثَقيف، فإنه رجل يَتَطَبَّبُ، فلْيأخُذ سبعَ تمرات من عجوة المدينة، فَلْيَجأهُنَّ بنَوَاهُنَّ، ثم لْيَلُدَّكَ بهن.

فقد روى أحمد واللفظ له، ومسلم، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:" فِي عَجْوَةِ الْعَالِيَةِ أَوَّلَ الْبُكْرَةِ عَلَى رِيقِ النَّفْسِ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ سِحْرٍ أَوْ سُمٍّ"، ولفظ مسلم:" إِنَّ فِي عَجْوَةِ الْعَالِيَةِ شِفَاءً أَوْ إِنَّهَا تِرْيَاقٌ أَوَّلَ الْبُكْرَةِ".

قال الإمام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم: وَالْعَالِيَة مَا كَانَ مِنْ الْحَوَائِط وَالْقُرَى وَالْعِمَارَات مِنْ جِهَة الْمَدِينَة الْعُلْيَا مِمَّا يَلِي نَجْد، أَوْ السَّافِلَة مِنْ الْجِهَة الْأُخْرَى مِمَّا يَلِي تِهَامَة، قَالَ الْقَاضِي: وَأَدْنَى الْعَالِيَة ثَلَاثَة أَمْيَال، وَأَبْعَدهَا ثَمَانِيَة مِنْ الْمَدِينَة. وَالْعَجْوَة نَوْع جَيِّد مِنْ التَّمْر. وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث فَضِيلَة تَمْر الْمَدِينَة وَعَجْوَتهَا، وَفَضِيلَة التَّصَبُّح بِسَبْعِ تَمَرَات مِنْهُ، وَتَخْصِيص عَجْوَة الْمَدِينَة دُون غَيْرهَا، وَعَدَد السَّبْع مِنْ الْأُمُور الَّتِي عَلِمَهَا الشَّارِع وَلَا نَعْلَم نَحْنُ حِكْمَتهَا، فَيَجِب الْإِيمَان بِهَا، وَاعْتِقَاد فَضْلهَا وَالْحِكْمَة فِيهَا، وَهَذَا كَأَعْدَادِ الصَّلَوَات، وَنُصُب الزَّكَاة وَغَيْرهَا؛ فَهَذَا هُوَ الصَّوَاب فِي هَذَا الْحَدِيث، والله أعلم .

 وأما التداوي من المس والحسد وغيرها مما يصاب به الإنسان من الجنِّ فهو نوع من التداوي وطلب الشفاء أيضاً لكنه ليس كغيره من التداوي من الأمراض العضوية التي تخضع لتجارب الأطباء، وتدخل في العلم المظنون، فأمر التداوي مما يصاب به الإنسان من الجن أمر تعبدي، ووسيلة العلاج فيه توقيفية، تحتاج إلى ثبوت نصٍّ، وقد ورد النص بالتداوي منه بقراءة القرآن وبالرقية، وكذا بالعجوة، وأن تناولها يقي من السحر والسُّمِّ، أما المس والحسد فلم يثبت دليل على أن تناولها مما يتداوى به في علاجهما، ومن ثمَّ فالأمر توقيفي يُقتصر فيه على ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان الثلاثة ـ السحر والمس والحسد ـ تشترك في أنها نتاج تأثير الجنِّ على الإنسان، إلا إذا أريد بتناول من أُصيب بمسٍّ أو حسدٍ للعجوة إصابة بركة دعاءه صلى الله عليه وسلم فلا بأس بذلك، والله أعلم .

  • والخلاصة

    التداوي مما يُصاب به الإنسان من الجن أمر تعبدي، ووسيلة العلاج فيه توقيفية، تحتاج إلى ثبوت نصٍّ، وقد ورد النص بالتداوي منه بقراءة القرآن وبالرقية، وكذا بالعجوة، وأن تناولها يقي من السحر والسُّمِّ، أما المس والحسد فلم يثبت دليل على أن تناولها مما يتداوى به في علاجهما، ومن ثمَّ فالأمر توقيفي يُقتصر فيه على ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان الثلاثة ـ السحر والمس والحسد ـ تشترك في أنها نتاج تأثير الجنِّ على الإنسان، إلا إذا أريد بتناول الممسوس أو المحسود للعجوة إصابة بركة دعائه صلى الله عليه وسلم فلا بأس بذلك، والله أعلم .