عنوان الفتوى: حكم التحويل والصرف والتقابض الحكمي

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

سؤالي حول إرسال المال إلى الخارج عن طريق البنك؟ الصيغة هي أن أشتري دولارات ثم يتولى البنك تحويلها إلى بلدي مقابل 50 درهما، الإشكال في أن البنك لا يستطيع أن يعطيني المبلغ بالعملة المحلية فهل هذه المعاملة غير جائزة إذ غاب فيها التقابض (الحكمي)، ما أفعله الآن هو إرسال النقود عن طريق شركات يأخذون مبالغ باهظة على إرسال الأموال ولكن في المقابل يعطون الوصل بالعملة المحلية في البلد الآخر.  

نص الجواب

رقم الفتوى

4732

05-مايو-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فإن تحويل المال من بلد إلى بلد؛ بعد صرفه إلى عملة أخرى حاجة تيسر على الناس أمور حياتهم وصورته: أن يقوم من يريد التحويل بدفع مبلغ من المال للصراف أو للبنك؛ على أن يُحول بعد صرفه إلى بلد آخر، وذلك مقابل شيك أو إيصال يحصل عليه، يدون فيه مقدار المال بالعملة المحول إليها، وقد تعددت الأقوال في هذه المسألة( الجمع بين الصرف والتحويل في معاملة واحدة) كالتالي:

الأول: صحة هذا الجمع بين الصرف والتحويل، على اعتبار أن استلام الشيك أو الإيصال هو قبض حكمي يأخذ حكم القبض الحقيقي، بشرط أن يحمل تاريخ اليوم الذي تم فيه الصرف، وقد صحح هذا القول عدد من الفقهاء المعاصرين، مستدلين بأدلة:

منها: القياس على ما جاء عن ابن الزبير رضي الله عنه فقد ذكر في المبسوط العلامة السرخسي رحمه الله: (أن ابن الزبير رضي الله عنه كان يأخذ بمكة الورق من التجار فيكتب لهم إلى البصرة وإلى الكوفة فيأخذون أجود من ورقهم ...وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه كان يأخذ الورق بمكة على أن يكتب لهم إلى الكوفة).

ومنها: ما نقل عن بعض الحنابلة:(الأسماء تعرف حدودها تارة بالشرع، كالصلاة والصيام والحج، وتارة باللغة كالشمس والقمر والبر والبحر، وتارة بالعرف كالقبض والتفريق) وقوله:(المرجع في القبض إلى عرف الناس وعادتهم من غير حد يستوي فيه جميع الناس في جميع الأحوال والأوقات) وهذا يسمى قبضا في عرف أهل العصر.

الثاني: يرى عدم صحة هذا العمل، بل لا بد من فصل الصرف عن التحويل؛ بأن يتم صرف العملة الموجودة إلى الثانية المطلوبة ويتم التقابض وتسليم المال، ثم يعيد طالب تحويل المال، العملة التي استلمها إلى البنك أو الصراف - ثانية بعد أن استلمها منه - ليقوم بتحويلها، واستدلوا بأدلة منها:

1- ما رواه مسلم في عن مالك بن أوس أنه قال: أقبلت أقول: من يصطرف الدراهم؟ فقال طلحة بن عبيد الله (وهو عند عمر بن الخطاب): أرنا ذهبك، ثم ائتنا إذا جاء خادمنا نعطِك ورِقك، فقال عمر بن الخطاب: كلا، والله، لتعطينه ورِقه، أو لتردنَّ إليه ذهبه، فإن رسول الله قال:" الورِق بالذهب، رباً إلا هاء وهاء، والبر بالبر رباً، إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير رباً إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء".
وجه الدلالة: إن عمر ـ رضي الله عنه ـ أنكر على طلحة فعله، وبين له حقيقة القبض، وقد قال العلماء في قوله: (هاء وهاء)، خذ وهات، كناية عن التقابض في المجلس، فهذا هو القبض الشرعي في الصرف خذ وهات حتى لا يكون فيه تأخير، فلو كان هناك قبض آخر لذكره.

 2- (إن صح اعتبار الشيك قبضاً بالنسبة للحوالة، فلا يمكن اعتبار ذلك قبضاً بالنسبة للصرف الشرعي؛ لأن شرط جواز الصرف التقابض في المجلس، والشيك في حد ذاته ليس هو مقابل بدل الصرف، بل نائباً عنه، ويلزم لقبض قيمة ما أثبت فيه مفارقة المجلس قبل القبض الحقيقي للنقود، فلا يقوم مقام بدل الصرف في المجلس، فلا يعتبر قبضه قبضاً في الصرف).

الثالث: يرى وجوب فصل التحويل عن الصرافة، لكن يكفي في قبض العملة، أن يحصل قبض حكمي بإيصال أو شيك، ثم يتم التحويل، واستدلوا بوجوب الفصل بالأدلة التي ذكرها أصحاب الرأي الثاني، واستدلوا بأن القبض الحكمي ينوب على القبض الحقيقي بالأدلة التي ذكرها أصحاب الرأي الأول، لكنهم اشترطوا لذلك شروطا هي:

1- أن يكتب في الإيصال أو الشيك كامل المبلغ المتفق عليه.

2- أن يكون على مليء قادر على الوفاء.

3- أن يكون مؤرخا بتاريخ اليوم الذي حصل فيه الصرف.

وثمة مناقشات لهذه الآراء وترجيحات وردود من قبل أهل العلم لا مجال لعرضها وذكرها، لكننا نقول:

بصحة الرأي الأول الذي يجوز هذه المعاملة اليوم نظراً لحاجة الناس إلى هذه المعاملات، والحاجة تنزل منزلة الضرورة، وفي إلزام الناس بالقول الثاني حرج ومشقة، والمشقة تجلب التيسير، ورفع الحرج عن الأمة مقصد من مقاصد ديننا الحنيف، كيف وقد قال ربنا : {ما جعل عليكم في الدين من حرج}[الحج:78 ]، والله أعلم وأستغفر الله.

  • والخلاصة

    إذا تم التحويل من الدولار إلى الدرهم (مثلا) وحصل الاتفاق على السعر ومقدار المال المحول، وأخذت شيكا أو إيصالا بهذا، فالطريقة جائزة، والله أعلم وأستغفر الله.