عنوان الفتوى: تفسير آية من سورة الأنبياء

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

ما معنى قوله تعالى: {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ}[الأنبياء:104] صدق الله العظيم.

نص الجواب

رقم الفتوى

4716

13-أبريل-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فاعلم فقهني الله وإياك في دينه وعلمنا تأويل كتابه العزيز أن هذه الآية كما يقول ابن عاشور في التحرير والتنوير في تفسير هذه الآية: (جملة مستأنفة قصد منها إعادة ذكر البعث والاستدلال على وقوعه وإمكانِه إبطالاً لإحالة المشركين وقوعه بعلة أن الأجساد التي يدّعي بعثها قد انتابها الفناء العظيم{ وقالوا أئذا كنا تراباً وعظاماً أإنا لفي خلق جديد }[السجدة:10] والمناسبة في هذا الانتقال هو ما جرى من ذكر الحشر والعقاب والثواب من قوله تعالى: {لهم فيها زفير}[الأنبياء:100] وقوله تعالى: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى}[ الأنبياء:101] الآية.

وقد رُتّب نظم الجملة على التقديم والتأخير لأغراض بليغة وأصل الجملة: نعيد الخلق كما بدأنا أولَ خلق يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب وعْداً علينا، فحُوّل النظم فقدم الظرف بادئ ذي بَدء للتشويق إلى متعلقه، ولما في الجملة التي أضيف إليها الظرف من الغرابة والطباق إذ جعل ابتداءُ خلق جديد وهو البعث مؤقتاً بوقت نقض خَلق قديم وهو طي السماء.

وقدم {كما بدأنا أول خلق} وهو حال من الضمير المنصوب في {نعيده} للتعجيل بإيراد الدليل قبل الدعوى لتتمكن في النفس فضلَ تمكّن. وكل ذلك وجوه للاهتمام بتحقيق وقوع البعث، فليس قوله {يوم نطوي السماء } متعلقاً بما قبله من قوله تعالى: {وتتلقاهم الملائكة}[الأنبياء:103].

وعقب ذلك بما يفيد تحقق حصول البعث من كونه وعداً على الله بتضمين الوعد معنى الإيجاب، فعدي بحرف ( على ) في قوله تعالى: {وعداً علينا} أي حقاً واجباً، وجملة {إنا كنا فاعلين} مؤكّدة بحرف التوكيد لتنزيل المخاطبين منزلة من ينكر قدرة الله لأنهم لما نَفَوا البعث بعلة تعذر إعادة الأجسام بعد فنائها فقد لزمهم إحالتهم ذلك في جانب قدرة الله، والمراد بقوله {فاعلين} أنه الفاعل لِما وُعد به، أي القادر، والمعنى: إنا كنا قادرين على ذلك، وفي ذكر فعل الكون إفادة أن قدرته قد تحققت بما دل عليه دليل قوله { كما بدأنا أول خلق نعيده }، والطّيُّ: رَدُّ بعض أجزاء الجسم الليِّن المطلوق على بعْضه الآخر، وضدّه النشر.

ثم يقول ابن عاشور رحمه الله: (والسجل: بكسر السين وكسر الجيم هنا، وفيه لغات. يطلق على الورقة التي يكتب فيها، ويُطلق على كاتب الصحيفة، ولعله تسمية على تقدير مضاف محذوف، أي صاحب السجل، وقيل سجل: اسم ملك في السماء ترفع إليه صحائف أعمال العباد فيحفظها.

ولا يحسن حملهُ هنا على معنى الصحيفة لأنه لا يلائم إضافة الطيّ إليه ولا إردافه لقوله { للكتاب } أو { للكتب} ولا حملهُ على معنى المَلَك الموكَل بصحائف الأعمال لأنه لم يكن مشهوراً فكيف يشبه بفعله فالوجه: أن يراد بالسجل الكاتب الذي يكتب الصحيفة ثم يطويها عند انتهاء كتابتها، وذلك عمل معروف . فالتشبيه بعمله رشيق ) .

  وظاهر ما أفاده الكاف من التشبيه في قوله تعالى: {كما بدأنا أول خلق نعيده} أن إعادة خلق الأجسام شبّهت بابتداء خلقها، ووجه الشبه: هو إمكان كليهما والقدرة عليهما وهو الذي سيق له الكلام على أن التشبيه صالح للمماثلة في غير ذلك، روى مسلم عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله بموعظة فقال: يا أيها الناس إنكم تُحشرون إلى الله حُفاة عراة غُرْلاً {كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين}...الحديث.

فهذا تفسير لبعض ما أفاده التشبيه وهو من طريق الوحي واللفظ لا يأباه فيجب أن يعتبر معنى للكاف مع المعنى الذي دلت عليه بظاهر السياق، والله أعلم.

 

  • والخلاصة

    مجمل التفسير كما في الميسر: (يوم نطوي السماء كما تُطْوى الصحيفة على ما كُتب فيها، ونبعث فيه الخلق على هيئة خَلْقنا لهم أول مرة كما ولدتهم أمهاتهم، ذلك وعد الله الذي لا يتخلَّف، وَعَدْنا بذلك وعدًا حقًا علينا، إنا كنا فاعلين دائمًا ما نَعِدُ به).