عنوان الفتوى: ظاهرةالعنوسة: أبرز أسبابها، ووسائل العلاج .

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

ما حكم العنوسة؟

نص الجواب

رقم الفتوى

4631

22-أبريل-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

 فجزاك الله خيراً أيها السائل على سؤالك، وزادك حرصاً، وبارك فيك.

وأما العنوسة فالمراد بها تأخر زواج الذكور والإناث، حتى يتجاوزوا السنَّ المعتاد لأمثالهم للزواج، وإن كان استخدام هذا اللفظ أكثر استخداماً في حق الإناث، قال الإمام ابن منظور رحمه الله في لسان العرب: عَنَسَتِ المرأَة تَعْنُس بالضم عُنُوساً وعِناساً ... وعَنَّسَها أَهلُها حَبَسُوها عن الأَزواج حتى جازت فَتَاءَ السِّن ولمَّا تَعْجُِزْ ... العانِس من الرجال والنساء الذي يَبقى زماناً بعد أَن يُدْرِك لا يتزوج وأَكثر ما يُستعمل في النساء يقال عَنَسَتِ المرأِة فهي عانِس وعُنِّسَت فهي مُعَنِّسَة إِذا كَبِرَت وعَجَزَتْ في بيت أَبويها، قال الجوهري: عَنَسَتِ الجارية تَعْنُس إِذا طال مكثها في منزل أَهلها بعد إِدْراكها حتى خرجتْ من عِداد الأَبكار هذا ما لم تتزوج فإِن تزوجت مرَّة فلا يقال: عَنَسَت .اهـ 

وأما الأسباب التي تؤدي إلى شيوع العنوسة فمتعددة:

منها: مغالاة أولياء الإناث في المهور، مما يكلف الشباب فوق طاقتهم، ويؤدي بالكثير من الشباب إلى العزوف عن الزواج، أو اضطراره إلى العمل لسنواتٍ عديدة حتى يجمع ما يمكنه من مجاراة هذه المغالاة الكبيرة في المهور، وتبقى الإناث كذلك بلا زواج حتى يأتي من يكون قادراً على دفع هذه المهور المبالغ فيها،

ومنها: أيضاً اكتفاء الرجل بامرأة واحدة؛ مع كثرة عدد النساء أمام أعداد الرجال، ويرجع ذلك إما إلى ممانعة الزوجات أو إلى ممانعة أولياء الإناث إلى رفض الزوج المتزوج من امرأة أخرى أن يتزوج بابنتهم، ويترتب على هذه الممانعة تأخر البنات عن الزواج، واستفحال العنوسة في المجتمع، وبحث الشباب عن متنفس لرغباتهم وشهواتهم فلا يجدون إلا الانحراف سبيلا لذلك مما يؤدي إلى انتشار الفواحش والرذائل، وكذا الأمراض الفتاكة بسبب انتشار الفواحش ووجود هذه العلاقات المحرمة. 

وقد أوجد الإسلام العلاج النافع لهذه المشكلة، كما أوجد العلاج لغيرها من المشكلات الأخرى.

فمن سبل العلاج التي أرشدنا إليها الإسلام وحثَّ عليها ورغَّبَ فيها: التيسير في المهور وعدم المغالاة فيها، وتعظيم الرغبة في أصحاب الخلق والدين أكثر من الرغبة في أصحاب الأموال، وعدم تثقيل كواهل الشباب بما لا يطيقونه، والذي يؤدي إلى أن تكتوي بناتهم بنار الشهوة والعزبة، وربما أدى أيضاً إلى الانحراف الخُلقي وانتشار الفواحش، بدلاً من المسارعة في إعفافهنَّ بالتيسير على الشباب الراغب في العفة والزواج، فقد روى الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ".

قال الإمام المناوي رحمه الله في فيض القدير: قال الطيبي: الفعل كناية عن المجموع أي إن لم تزوجوا الخاطب الذي ترضون خلقه ودينه "تكن" تحدث "فتنة في الأرض وفساد" خروج عن حال الاستقامة النافعة المعينة على العفاف "عريض"... يعني أنكم إن لم ترغبوا في الخلق الحسن والدين المرضي الموجبين للصلاح والاستقامة ورغبتم في مجرد المال الجالب للطغيان الجار للبغي والفساد تكن إلى آخره أو المراد إن لم تزوجوا من ترضون ذلك منه ونظرتم إلى ذي مال أو جاه يبق أكثر النساء بلا زوج والرجال بلا زوجة فيكثر الزنا ويلحق العار. اهـ

وروى أحمد والحاكم وصحَّحه عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:" إِنَّ مِنْ يُمْنِ الْمَرْأَةِ تَيْسِيرَ خِطْبَتِهَا وَتَيْسِيرَ صَدَاقِهَا وَتَيْسِيرَ رَحِمِهَا"، وروى أحمد والحاكم وصحَّحه، واللفظ له عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" أعظم النساء بركة أيسرهن صداقا".

قال الإمام المناوي رحمه الله في فيض القدير: قال العامري: أراد المرأة التي قنعت بالقليل من الحلال عن الشهوات وزينة الحياة الدنيا فخفت عنه كلفتها ولم يلتجئ بسببها إلى ما فيه حرمة أو شبهة فيستريح قلبه وبدنه من التعنت والتكلف فتعظم البركة لذلك وفي رواية بدله مهورا وفي أخرى صداقا وأقلهن بركة من هي بضد ذلك وذلك لأنه داع إلى عدم الرفق والله سبحانه وتعالى رفيق يحب الرفق في الأمر كله.اهـ 

ومن سبل العلاج التي أرشدنا إليها الإسلام وحثَّ عليها ورغَّبَ فيها : زواج الرجل بأكثر من امرأةٍ ففيه إكثار للنسل وإقلال من العازبات، وقضاء على ظاهرة العنوسة وحفاظ على المجتمع وسلامته من انتشار الفواحش والرذائل فيه، والمساهمة في رعاية الأرامل واليتامى وغير ذلك من المصالح الشرعية المعتبرة. 

لقد شرع الله تعالى الزواج، وجعل فيه الأنس والألفة والمودة والسكن بين الزوجين، وجعل فيه إشباعاً لغرائز النفس، وتسكيناً لشهواتها، وصيانة للنفس من الانحراف، وباباً لزيادة النسل، وجعله امتداداً لأواصر المحبة بين الناس، وإظهاراً لقوة المجتمع من خلال تكثير أبنائه. 

ولما كان كل ذلك كذلك فإننا ننصح أولياء الأمور بتفهم ضرورة اعتدال النظام الاجتماعي، بمعالجة حالة قلة الرجال وكثرة النساء، وذلك بالتخفيف عن كواهل الشباب، والتيسير عليهم في المهور، وعدم التعنت مع المتزوجين وحينئذ يصبح نظام التعدد ضرورة اجتماعية وأخلاقية، تقتضيها المصلحة والرحمة، وصيانة للنساء عن التبذل والانحراف، وإسهاماً في حلِّ مشكلة العنوسة، وكذلك احتياج الأمة أحياناً إلى زيادة النسل، للمعونة في أعمال الزراعة والصناعة، والمساهمة في بناء نهضة المجتمع وحضارته، وغيرها.

 فإذا أخذت المجتمعات بهذه التعاليم الإسلامية الشريفة كان بإمكاننا القضاء على ظاهرة العنوسة، ومن ثم حصول الخير ودرء الفواحش والضرر عن المجتمعات الإسلامية، والله الموفق.

 

  • والخلاصة

    أبرز الحلول للعنوسة تكمن في التيسير في المهور وعدم المغالاة فيها، وزواج الرجل بأكثر من امرأةٍ، ونحن ننصح أولياء الأمور بتفهم ضرورة اعتدال النظام الاجتماعي، والتخفيف عن كواهل الشباب، والتيسير عليهم في المهور، وعدم التعنت مع المتزوجين، فإذا أخذت المجتمعات بهذه التعاليم الإسلامية الشريفة كان بإمكاننا القضاء على ظاهرة العنوسة، ومن ثم حصول الخير ودرء الفواحش والضرر عن المجتمعات الإسلامية،والله أعلم.