عنوان الفتوى: التوبة من الغيبة

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

في بعض الأحيان عندما أغتاب شخصاً أستغفر الله بأن أكررها مائة مرة، فهل هذا يمسح الذنب؟ أم هناك طريقة أخرى للاستغفار؟

نص الجواب

رقم الفتوى

4581

03-أبريل-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فجزاك الله خيراً أيتها السائلة الكريمة على سؤالك، وزادك حرصاً، وبارك فيك،

واعلمي أن الغيبة محرمة بإجماع الأمة على ذلك قال سبحانه وتعالى :"{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ }[الحجرات:12].

ويجب على المسلم أن يصون لسانه عن كل كلام لا نفع فيه، وحاصل ما في سبِّ من جاز سبُّه أو غيبته أن الخوض في هذا مما يُقسِي القلب ويشغل العبد عما هو أفضل في حقه، والعبد مأمور بحفظ لسانه على كل حال.

قال الإمام النووي في رياض الصالحين :اعلم أنه ينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام إلا كلاماً ظهرت فيه المصلحة، ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة، فالسنة الإمساك عنه، لأنه قد ينجر الكلام المباح إلى حرام أو مكروه، وذلك كثير في العادة، والسلامة لا يعدلها شيء. اهـ 

ويجب على من وقع في الغيبة أن يتوب إلى الله منها، والتوبة من الغيبة تكون بالإقلاع عنها، والعزم على عدم العود إليها، والندم على فعلها، واحتراق القلب على ما فعل، والندم توبة كما ورد في الحديث، والتوبة الصادقة تمحو الذنوب بل يبدل الله بها السيئات إلى حسنات، قال تعالى: { إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا }[ الفرقان : 70 ]، ومما ينبغي فعله أن يتحلل من صاحبه من هذا الذنب عندما خاض في سيرته بالباطل، وأن يطلب ممن اغتابه أن يسامحه،

فقد روى الترمذي، وقال : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا كَانَتْ لِأَخِيهِ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ فِي عِرْضٍ أَوْ مَالٍ فَجَاءَهُ فَاسْتَحَلَّهُ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ وَلَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ فَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ حَسَنَاتِهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ حَمَّلُوا عَلَيْهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ". 

قال الإمام النووي: قال العلماء: التوبة واجبة من كل ذنب فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدمي فلها ثلاثة شروط :أحدها: أن يقلع عن المعصية، والثاني : أن يندم على فعلها، والثالث: أن يعزم ألا يعود إليها أبداً، فإن فقد أحد الثلاثة لم تصح توبته.

وإن كانت المعصية تتعلق بآدمي فشروطها أربعة: هذه الثلاثة، وأن يستبرأ من صاحبها فإن كانت مالاً أو نحوه رده إليه وإن كانت حد قذف ونحوه مكنه منه أو طلب عفوه وإن كانت غيبة استحله منها، والله أعلم. اهـ 

ومما ينبغي فعله أيضاً عموم العمل الصالح وسائر القربات كالصدقة والذكر والاستغفار وبر الوالدين وصلة الرحم لقوله تعالى: { وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ }[هود: 114]، وروى الترمذي وقال: حسن صحيح، عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ".

ويجب عليه قطع الأسباب المؤدية إلى الغيبة وغيرها من المعاصي والغفلة التي وقعت سابقا، تجنباً لتكرر المعصية مرة ثانية، وملازمة الذكر والعبادة وصحبة الصالحين،

وبقي أمر أخير أن العبد لو وقع في ذنب واستغفر وتاب بالشروط التي ذكرناها، ثم وقع في ذنب من جنسه أو في ذنب آخر فهل الذنب الثاني يبطل التوبة الأولى، فالجواب أن الذنب الثاني لا يبطل التوبة الأولى ولو تكرر منه الذنب في اليوم الواحد، لأن الإنسان ضعيف ما لم يصل لحد الاستهزاء نعوذ بالله من ذلك.

قال صاحب الفواكه الدواني العلا مة النفرواي المالكي: ( التَّوْبَةُ وَاجِبَةٌ شَرْعًا عَلَى الْفَوْرِ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ مُؤْمِنًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا وَلَوْ كَانَ الذَّنْبُ صَغِيرَةً ، فَمَنْ أَخَّرَهَا عَصَى فَيَجِبُ عَلَيْهِ تَوْبَتَانِ دَلَّ عَلَى وُجُوبِهِمَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ ، ..... الثَّانِي: إذَا أَذْنَبَ التَّائِبُ هَلْ تَعُودُ عَلَيْهِ ذُنُوبُهُ أَمْ لَا؟ الصَّحِيحُ لَا تَعُودُ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ عَادَ بِمَجْلِسِ التَّوْبَةِ وَلَكِنْ يُجَدِّدُ تَوْبَةً لِمَا اقْتَرَفَ ). قال العلامة الدردير المالكي رحمه الله

                           وجدد التوبة للأوزار             لا تيأسن من رحمة الغفار

 والله أعلم.

 

 

 

  • والخلاصة

    الاستغفار مطلوب في التوبة من الغيبة، ويجب التحلل، وطلب المسامحة ممن تمَّت غيبته، ومما ينبغي فعله أيضاً عموم العمل الصالح وسائر القربات، كما يجب عليك قطع الأسباب المؤدية إلى الوقوع في الغيبة، قال العلامة الدردير المالكي رحمه الله:

                               وجدد التوبة للأوزار             لا تيأسن من رحمة الغفار