عنوان الفتوى: القضايا الأسرية

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

كيف يكون الصبر على البلاء؟ أنا سيدة متزوجة و أعيش مع والدة زوجي في نفس البيت منذ عشر سنوات و هي دائمة المشاكل معي بسبب أو بدون، و زوجي يعلم بذلك، ويعلم أنني أتعامل معها بالحسنى و هي دائما لديها سوء الظن و سوء المعاملة، فهل بكائي بمفردي أو أمام زوجي يعد عدم صبر على البلاء؟ وهل توجيه زوجي النصيحة إليها حتى لا يتكرر الخلاف يكون هو بذلك عاقاً أو آثماً؟

نص الجواب

رقم الفتوى

4539

03-أبريل-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فإن معنى الصبر هو: حبس القلب لفعل الرب، وإنما يحصل للعبد بالتدرب على ذلك، واحتساب الأجر عند الله تعالى، وبالصبر على الشخص الكبير عموما، ولو اعتبرت الزوجة أن هذه المرأة بمنزلة أمها لهان الأمر عليها، ولخف قدر هذا البلاء.

وإنما الحلم بالتحلم وإنما الصبر بالتصبر، فقد روى الإمام الطبراني في المعجم الكبير من طريق أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَإِنَّمَا الْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ، مَنْ يَتَحَرَّى الْخَيْرَ يُعْطَهُ، وَمَنْ يَتَّقِ الشَّرَّ يُوقَهُ.... ".

ولتعلمي يا أختي أن البكاء على البلية أو المصبية لا يعد من السخط  لأمر الله تعالى بل هو دلالة افتقار العبد واضطراره وعجزه وضعفه، فهو من باب التذلل لله تعالى لا من باب الاعتراض عليه سبحانه، وقد بكى النبي صلى الله عليه وسلم لفراق ولد إحدى بناته عند وفاته.

فقد روى مسلم في صحيحه عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ إِحْدَى بَنَاتِهِ تَدْعُوهُ وَتُخْبِرُهُ أَنَّ صَبِيًّا لَهَا أَوْ ابْنًا لَهَا فِي الْمَوْتِ فَقَالَ لِلرَّسُولِ:" ارْجِعْ إِلَيْهَا فَأَخْبِرْهَا أَنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَمُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ، فَعَادَ الرَّسُولُ فَقَالَ: إِنَّهَا قَدْ أَقْسَمَتْ لَتَأْتِيَنَّهَا قَالَ: فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَامَ مَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَانْطَلَقْتُ مَعَهُمْ فَرُفِعَ إِلَيْهِ الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ كَأَنَّهَا فِي شَنَّةٍ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ لَهُ سَعْد:ٌ مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللَّه؟ قَالَ هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ".

قال الإمام النووي رحمه في كلامه على هذا الحديث: (مَعْنَاهُ أَنَّ سَعْدًا ظَنَّ أَنَّ جَمِيع أَنْوَاع الْبُكَاء حَرَام، وَأَنَّ دَمْع الْعَيْن حَرَام، وَظَنَّ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَسِيَ فَذَكَرَهُ، فَأَعْلَمَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مُجَرَّد الْبُكَاء وَدَمَعَ بِعَيْنٍ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَلَا مَكْرُوه بَلْ هُوَ رَحْمَة وَفَضِيلَة وَإِنَّمَا الْمُحَرَّم النَّوْح وَالنَّدْب وَالْبُكَاء الْمَقْرُون بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَحَادِيث، (أَنَّ اللَّه لَا يُعَذِّب بِدَمْعِ الْعَيْن وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْب وَلَكِنْ يُعَذِّب بِهَذَا أَوْ يَرْحَم وَأَشَارَ إِلَى لِسَانه ) وَفِي الْحَدِيث الْآخَر: (الْعَيْن تَدْمَع وَالْقَلْب يَحْزَن وَلَا نَقُول مَا يُسْخِط اللَّه) وَفِي الْحَدِيث الْآخَر:" مَا لَمْ يَكُنْ لَقْع أَوْ لَقْلَقَة" .

ومراجعة الولد لأمه في مثل هذه القضايا لا يعد نوعا من أنواع العقوق؛ بل يجب عليه شرعاً لدرء الظلم عن المظلوم لأن الظلم حرام، لكن يجب عليه أن يختار الأسلوب الأمثل في مراجعته لأمه، والمراجعة هذه فيها إيجابية وسلبية:

فأما ايجابيتها: أنه تنبيه لأمه أن تنتهي عن الاتهام وسوء الظن وسوء المعاملة لزوجته وهو مطلوب شرعاً بالمعروف والأدب والعرض الحسن، لأن العرض من الصغير للكبير صعب ولا يحسنه إلا الموفق.

وأما السلبية: وهي أن تظن الأم أنك قمت بتحريضه عليها فتزداد شرا على شر وسوءاً على سوء ويزداد الأمر سوءاً وصعوبة وهذا هو الغالب في أحوال النساء.

والحل الصحيح عندي: أن تصبري كما ذكرنا وتعامليها بسياسة وأدب واحترام كما تعاملي أمك في البيت فربما ينعكس الأمر إيجابياً وتكون النصرة لك وتفوزي مرتان؛ مرة للصبر وأنت مأجورة ومرة أخرى بالنتيجة الإيجابية بانتهائها عن ظلمها وعودتها لحسن المعاملة، ولأن عواقب الصبر الجميل محمودة على كل حال، والله اعلم.

 

  • والخلاصة

    الصبر حبس القلب لفعل الرب، ولا يتأتي الصبر للعبد إلا بالتصبر والرضا والاحتساب، وأن البكاء لا يعد سخطا لقضاء الله تعالى بل دلالة افتقار العبد واضطراره، ولا يعد مراجعة الولد لأمه في الظلم عقوقاً بل هو واجب شرعا، لكن لا بد من الأسلوب الحسن، لأن أمر الصغير للكبير صعب على النفوس غالبا، والصبر الجميل عواقبه محمودة على كل حال.