عنوان الفتوى: الاستغفار مع الغفلة

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

أحيانا حين أستغفر أو أسبح أو أدعو الله انشغل بأمور في بالي، هل علي إثم في ذلك؟  

نص الجواب

رقم الفتوى

4520

03-أبريل-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فالأصل في الذكر والتسبيح باللسان وبالقلب معاً وعلى المسلم أن يكون حاضر القلب مع الله سبحانه عند ذكره وتسبيحه كما في صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ "قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ"

وقد حذر القرآن الكريم من غفلة القلب عن الله سبحانه فقال في سورة الكهف "وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28)"

وذكر الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين - (1 / 310) " أن المؤثر النافع هو الذكر على الدوام مع حضور القلب فأما الذكر باللسان والقلب لاه فهو قليل الجدوى. وفي الأخبار ما يدل عليه أيضاً وحضور القلب في لحظة بالذكر والذهول عن الله عز وجل مع الاشتغال بالدنيا أيضاً قليل الجدوى. بل حضور القلب مع الله تعالى على الدوام أو في أكثر الأوقات هو المقدم على العبادات بل به تشرف سائر العبادات وهو غاية ثمرة العبادات العملية. وللذكر أول وآخر؛ فأوله يوجب الأنس والحب لله وآخره يوجب الأنس والحب ويصدر عنه، والمطلوب ذلك الأنس والحب. فإن المريد في بداية أمره قد يكون متكلفاً بصرف قلبه ولسانه عن الوسواس إلى ذكر الله عز وجل. فإن وفق للمداومة أنس به وانغرس في قلبه حب المذكور."

فإن الأفضل في الأذكار والأدعية تدبر معناها، وقد ذهب بعض الزهاد إلى وجوب ذلك، والصواب استحبابه، لأن للذكر مراتب في الفضل بعضها فوق بعض.

 قال ابن حجر في الفتح: ورأيت في الحلبيات للسبكي الكبير: الاستغفار طلب المغفرة إما باللسان أو بالقلب أو بهما، فالأول فيه نفع لأنه خير من السكوت، ولأنه يعتاد قول الخير، والثاني نافع جدا، والثالث أبلغ منهما انتهى في 13/472، وقال في 1/14:  النية إنما تشترط في العبادة التي لا تتميز بنفسها، وأما ما يتميز بنفسه فإنه ينصرف بصورته إلى ما وضع له كالأذكار والأدعية والتلاوة، لأنها لا تتردد بين العبادة والعادة، ولا يخفى أن ذلك إنما هو بالنظر إلى أصل الوضع.

أما ما حدث فيه عرف كالتسبيح للتعجب فلا، ومع ذلك فلو قصد بالذكر القربة إلى الله تعالى لكان أكثر ثوابا، ومن ثم قال الغزالي: حركة اللسان بالذكر مع الغفلة عنه تحصل الثواب، لأنه خير من حركة اللسان بالغيبة، بل هو خير من السكوت مطلقا، أي المجرد عن التفكر، قال: وإنما هو ناقص بالنسبة إلى عمل القلب انتهى، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم: في بضع أحدكم صدقة انتهى قول  ابن حجر.

وقال صاحب الحكم رحمه الله:( (مراتب الذكر...  لا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه لأن غفلتك عن وجود ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة ومن ذكر مع وجود يقظة إلى ذكر مع وجود حضور ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع غيبة عما سوى المذكور { وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ }[ 20: إبراهيم].

قال شارحه ابن عجيبة الحسني المالكي رحمه الله في إيقاظه: (أي لا تترك - أيها الذاكر - الذكر الذي هو منشور الولاية لعدم حضور قلبك مع الله فيه لاشتغاله بالأعراض الدنيوية بل اذكره على كل حال لأن غفلتك عن وجود ذكره بأن تتركه بالكلية أشد من غفلتك في وجود ذكره لأنك في هذه الحالة حركت به لسانك وإن كان قلبك غافلاً عن المذكور، فعسى أن يرفعك أي يرقيك بفضله من ذكر مع وجود غفلة عنه إلى ذكر مع وجود يقظة أي تيقظ قلب لما يناسب حضرته من الآداب ومن ذكر مع وجود يقظة إلى ذكر مع وجود حضور في حضرة الاقتراب ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع وجود غيبة عما سوى المذكور ... وما ذلك على الله بعزيز)، وقال ابن رجب الحنبلي  في (جامع العلوم والحكم):  وإن قال بلسانه: استغفر الله وهو غير مقلع بقلبه، فهو داع لله بالمغفرة، كما يقول: اللهم اغفر لي، وهو حسن، وقد يرجى له الإجابة، والله أعلم. 

  • والخلاصة

    تجاوز الله تعالى بمنه وكرمه وفضله عن هذه الأمة فيما حدثت به نفسها ما لم يعزم الشخص على قول أو فعل، وأنه لا يتعارض مع صحة الذكر الذي أنت فيه من استغفار أو تسبيح. والله أعلم