عنوان الفتوى: حد انتهاء اليُتْم، ووقت استحقاق اليتيم ماله.

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

ما حكم اليتيمة العانس؟ هل تظل يتيمة إلى أن تموت لأنها لم تتزوج؟ فإن كان الجواب نعم، وأنها تعتبر يتيمة إلى أن تتزوج فهل يعني هذا أنها تظل تحت الوصاية ولا يدفع لها بأموالها التي ورثتها من أبيها؟ سؤال آخر: في بداية سورة النساء في آية التعدد {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} هل المقصود من كلمة اليتامى الأنثى فقط؟ أم الذكور والإناث؟

نص الجواب

رقم الفتوى

4489

29-أبريل-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فاعلمي أن وصف اليُتْم يرتفع عن اليتيم ذكراً كان أو أنثى بالبلوغ، فاليتيم بعد البلوغ ليس يتيماً، والأصل في هذا ما روى أبو داود ـ وَحَسَّنَهُ الإمام  النَّوَوِيُّ رحمه الله ـ عن عَلِيِّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه قَالَ : حَفِظْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ وَلَا صُمَاتَ يَوْمٍ إِلَى اللَّيْلِ".

قال الإمام المناوي رحمه الله في فيض القدير: حكم اليتيم جار عليه قبل بلوغه من الحجر في ماله والنظر في مهماته وكفالته وإيوائه فإذا احتلم وكانت حالة البلوغ استقل ولا يسمى باليتيم .اهـ 

 وبعد البلوغ يَحِقُّ لليتيم أن يأخذ ماله إذا أنِسَ وليُّه منه الرشد، فدفع المال إلى اليتيم مشروط بالبلوغ وإيناس الرشد، وذلك لئلا يُضيِّع ماله بسبب سفهه أو ضعف عقله أو دينه، والدليل على هذا قوله تعالى {وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللّهِ حَسِيباً }[النساء:6].

قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره: يأمر تعالى بدفع أموال اليتامى إليهم إذا بلغوا الحُلُم كاملة موفرة، وينهى عن أكلها وضَمِّها إلى أموالهم،ا.هـ وقال أيضاً في تفسير (رشداً): قال سعيد بن جبير: يعني: صَلاحا في دينهم وحفظا لأمواله.

وكذا روي عن ابن عباس، والحسن البصري، وغير واحد من الأئمة، وهكذا قال الفقهاء متَى بلغَ الغلام مُصْلحًا لدينه وماله، انفك الحجر عنه، فيسلم إليه ماله الذي تحت يد وليه بطريقه،ا.هـ 

وقال الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره: إذا ثبث هذا فاعلم أن دفع المال يكون بشرطين: إيناس الرشد والبلوغ، فإن وجد أحدهما دون الآخر لم يجز تسليم المال، كذلك نص الآية. وهو رواية ابن القاسم وأشهب وابن وهب عن مالك في الآية. وهو قول جماعة الفقهاء إلا أبا حنيفة وزفر والنخعي فإنهم أسقطوا إيناس الرشد ببلوغ خمس وعشرين سنة أ.هـ

وكذلك لليتيمة البالغة أن تتزوج برغبتها دون أن يُكرهها وَصِيُّها على الزواج به أو بغيره، فلا تُزَوَّج إلا بإذنها، وكذلك لا تُنكح اليتيمة الصغيرة إذْ لا إذن لها، فإذا بلغت جاز نكاحها لكن لا تُزوّج إلا بإذنها أيضاً ، وعلى هذا أيضاً فلا يجوز أن تتزوج بغير وليّ، إذ لا يجوز النكاح بغير وليّ ، ولكن المراد أنه ليس للوليّ (الوصي) أن يكرهها على الزواج

والأصل في هذا ما رواه الدارقطني والبيهقي في السنن الكبرى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ تَزَوَّجَ بِنْتَ خَالِهِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ قَالَ فَذَهَبَتْ أُمُّهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَتْ إِنَّ ابْنَتِى تَكْرَهُ ذَاكَ. فَأَمَرَهُ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ يُفَارِقَهَا فَفَارَقَهَا. وَقَالَ:" لاَ تَنْكِحُوا الْيَتَامَى حَتَّى تَسْتَأْمِرُوهُنَّ، فَإِذَا سَكَتْنَ فَهُوَ إِذْنُهَا". فَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ عَبْدِ اللَّهِ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ.

وكذلك أمر الله تعالى أوصياء اليتامى أنه إذا كان في حجر أحدهم يتيمة وأراد الزواج منها، وخاف ألا يعطيها مهر مثلها وخاف ألا يَعْدِل في صداقها ، فليتركها تتزوج من غيره، وليعدل إلى ما سواها من النساء، فإنهن كثير، ولم يضيق الله عليه، ولذلك قال تعالى {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ }[النساء:3].

فالمراد من اليتامى في الآية: الإناث، وقد ورد هذا مفصلاً عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ففي الصحيحين واللفظ لمسلم عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها قالت في تفسير قول الله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء مثنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} قالت: يا ابن أُختي هي اليتيمة تكون في حِجر وَلِيِّها تشاركه في ماله فيُعجِبُه مالُها وجمالُها فيريد ولِيُّها أن يتزوّجها من غير أن يُقسِط في صداقها فيُعطِيَها مثل ما يعطِيها غيره، فنُهوا أن ينكِحوهنّ إلاّ أن يُقسطوا لهن ويبلغُوا بهنّ أعلى سُنّتهن من الصّدَاق وأُمِروا أن يَنكِحوا ما طاب لهم من النساء سِواهنّ، والله أعلم.

 

 

  • والخلاصة

    يزول وصف اليتم عن اليتيم ذكراً كان أو أنثى بعد البلوغ، ويحقُّ له أن يأخذ ماله، ويجب على وصِيِّه أن يدفع إليه ماله بشرطين: البلوغ وإيناس الرشد، وهو صلاح الدين والقدرة على المحافظة على المال، ولا يجوز للوصي أن يُزوج اليتيمة إلا بإذنها، وعلى هذا أيضاً فلا يجوز أن تتزوج بغير وليّ، إذ لا يجوز النكاح بغير وليّ، ولكن المراد أنه ليس للوليّ (الوصي) أن يكرهها على الزواج، وأما المراد باليتامى في الآية فهم الإناث، كما ورد عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، والله أعلم.