عنوان الفتوى: ضوابط الفتوى

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

نسمع فتوى معينة من عالم ثقة ثم نسمع نفس الفتوى من عالم آخر ثقة ولكن برأي آخر، فهل هناك معيار لنا - نحن عامة الناس- كيف نختار الفتوى؟

نص الجواب

رقم الفتوى

4378

20-مارس-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فيا أخي السائل الكريم بارك الله بك وجزاك الله خيراً، وجعلك من عباده الصالحين: 

إن الفتوى من أخطر الأمور وأشدها لأنها في الحقيقة توقيع عن رب العالمين كما ذكر علماء الأمة.

وكيف لا!! وهو المنصب الذي تولاه بنفسه رب الأرباب، فقال تعالى:{ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ } [ النساء127 ]، وكفى بما تولاه الله تعالى بنفسه شرفاً وجلالةً، إذ يقول في كتابه:{ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ } [ النساء176 ]، وليعلم المفتي عمن ينوب في فتواه، وليوقن أنه مسؤول غداً وموقـوف بـين يـدي الله عز وجل.

وكثير من الذين يتصدرون للفتوى في دين الله لا يدركون خطورة شأن الفتوى وما يجب أن يكون عليه المفتي من علم وصدق والتزام بشرع الله، قال الله تعالى : { فاسْألُوا أهلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [ سورة النحل الآية 43 ]، قال ابن عباس رضي الله عنهما:( أهل الذكر هم أهل العلم ) تفسير القرطبي. 

إن الأصل في المستفتي أن يسأل من يثق في علمه ودينه فيعرض مسألته عليه فإن أفتاه لزم المستفتي أن يأخذ بفتواه، قال محمد بن سيرين من أئمة التابعين: ( إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذونه) رواه مسلم في مقدمة صحيحه.

وقال الإمام القدوة يزيد بن هارون: (إن العالم حجتك بينك وبين الله تعالى فانظر مَن تجعل حجتك بين يدي الله عز وجل ) ذكره الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه.

وقال الخطيب البغدادي: [ أول ما يلزم المستفتي إذا نزلت به نازلة أن يطلب المفتي ليسأله عن حكم نازلته، فإن لم يكن في محلته وجب عليه أن يمضي إلى الموضع الذي يجده فيه، فإن لم يكن ببلده لزمه الرحيل إليه وإن بعدت داره فقد رحل غير واحد من السلف في مسألةٍ ... إلى أن قال [ وإذا قصد أهل محلة للاستفتاء عما نزل به فعليه أن يسأل من يثق بدينه ويسكن إلى أمانته عن أعلمهم وأمثلهم؛ ليقصده ويؤم نحوه، فليس كل من ادعى العلم أحرزه، ولا كل من انتسب إليه كان من أهله ] الفقيه والمتفقه.

ولا ينبغي التنقل بالسؤال من مفتي إلى آخر حتى يحصل المستفتي على الجواب الذي يوافق هواه من المفتي المتساهل، فإن التساهل في الفتوى من المحرمات، قـال الإمـام النووي في المجموع:" يحرم التساهل في الفتوى، ومن عرف به حَرُمَ استفتاؤه ، فمن التساهل أن لا يتثبت ويسرع بالفتوى قبل استيفاء حقها من النظر والفكر، فإن تقدمت معرفته بالمسؤول عنه فلا بأس بالمبادرة، وعلى هذا يُحمل ما نقل عن الماضين من مبادرة.

ومن التساهل أن تحمله الأغراض الفاسدة، على تتبع الحيل المحرمة أو المكروهة، والتمسك بالشبه طلباً للترخيص، لمن يروم نفعه، أو التغليظ على من يريد ضره، وأما من صح قصدُه فاحتسب في طلب حيلة لا شبهة فيها للتخليص من ورطة يمين ونحوها، فذلك حسنٌ جميلٌ، وعليه يحمل ما جاء عن بعض السلف من نحو هذا كقول سفيان - الثوري - : إنما العلمُ عندنا الرخصة من ثقة فأما التشديد فيحسنه كل أحد ".

ولابد من التفرقة بين تضارب الفتوى وبين الاختلاف المبني على الاجتهاد المعتبر، فلا يتصدى للإفتاء إلا من كان أهلاً له، وألا تميل الفتوى للتفريط أو الإفراط، مع استيعاب ملابسات المسألة للوقوف على فتوى لها.

وهذا غير الاختلاف المحمود الذي ينشأ عنه تيسير للعباد في كثير من الجزئيات الفقهية، وأما إن كانت الفتوى منضبطة وفيها شمول وتأنٍ ودقة، ومحكمة ببيان الضوابط والشروط لكل مسألة، فإن هوَّة الخلاف تكون ضيقة جداً، وإذا توافرت الضوابط وصحت الفتوى ووقع الخلاف، فلا ضرر ما دام الخلاف في جزئيات تدل على سماحة الشريعة وتيسيرها ومعالجة كل سائل فيما يخصه، لأن الفتوى تختلف باختلاف الزمان والمكان والشخص، ومع كل هذا إن صحت الفتوى: فمن قلَّد عالماً لقي الله سالماً إن شاء الله، لرفع الحرج عنا في معرفة الصواب الموافق لمراد الله في الأحكام.

والسبيل لمعالجة تضارب الفتوى هو العمل بالاجتهاد الجماعي، وبما يصدر عن المجامع الفقهية المعتمدة، ومراكز الفتوى الرسمية القائمة على جهود العلماء الموثوقين في علمهم وورعهم، وبالحرص على خشية الله تعالى وتجنب الشبهات، والله علم.

 

  • والخلاصة

    يجب على المستفتي أن يسأل العالم الذي يوثق بعلمه والمؤهل للإفتاء، وألا ينتقل بالسؤال من عالم لآخر يلتمس الرخصة والتساهل، والأفضل له أن يوجه سؤاله لمجامع الفقه، أو مراكز الإفتاء الرسمية المعتمدة، والله أعلم.