عنوان الفتوى: من صور العلاقات الخاطئة

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

تزوجت من فتاة تصلني بها صلة قرابة، وكانت حياتي مستقرة حتى اكتشفت أنه توجد فتاة بيني وبينها إعجاب متبادل علماً بأنها تعرف أني متزوج، وهي أيضاً متزوجة، ولكن أخبرتني أنها على وشك الطلاق وتريد الزواج مني، فبادرتها بالموافقة، ولكن رجعت إلى نفسي فقلت لا يجوز أن أهدم عائلة بوعد قد لا يصدق، فتحدثت معها مطولاً وأخبرتها أنه خيرٌ لها أن تبقى مع زوجها، وخيرٌ لي أن أبتعد عنها، وقلت في نفسي من ترك لله شيئاً عوضه بخير منه، علماً أن الإعجاب تحول إلى حب شديد.

نص الجواب

رقم الفتوى

4330

20-مارس-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

 فجزاك الله خيراً أيها الأخ السائل على سؤالك، وزادك حرصاً، وبارك فيك، ولكن أين ضميرك وأين مراقبتك لله تعالى لما طابت نفسك أن يتعلَّق قلبك بامرأة لا تحلُّ لك؟ ونحن نحمد الله تعالى على يقظة ضميرك، وعلى توفيقه لك أن ألهمك رشدك وصوابك، ولم تنجر خلف عواطفك فيما دعتك إليه هذه المرأة المتزوجة التي لم تحافظ على عرضها وعلى عرض زوجها، ولم تراع حرمات الله ولم تقف عند حدوده، وراحت تقيم علاقة غير شرعية، وقبلت على نفسها أن تفعل هذا بنفسها وهي على ذمة رجلٍ آخر.

إننا نخشى أن تكون علاقتك بها وتماديك معها في أن تطلب الطلاق من زوجها لتتزوجها أنت يدخل في معنى تَخْبِيب المرأة على زوجها، فقد روى أبو داود وأحمد والحاكم وصحَّحه ،عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا أَوْ عَبْدًا عَلَى سَيِّدِهِ ).

أي خدعها وأفسدها عليه بأَنْ يَذْكُر مَسَاوِئ الزَّوْج أَوْ مَحَاسِنه عِنْدهَا لِيُبَغِّض إليها زوجها، ويحملها على أن تطلب طلاقها من زوجها ليتزوجها.

قال الإمام المناوي رحمه الله في فيض القدير: "أي ليس على طريقتنا ولا من العاملين بقوانين أحكام شريعتنا . قال شيخنا الشعراوي : ومن ذلك ما لو جاءته امرأة غضبانة من زوجها ليصلح بينهما مثلا فيبسط لها في الطعام ويزيد في النفقة والإكرام ولو إكراما لزوجها فربما مالت لغيره وازدرت ما عنده فيدخل في هذا الحديث "اهـ.

ولكن يا أخي: هل ترضى أن تقيم زوجتك علاقة مع رجلٍ آخر مثل ما قامت به هذه المرأة معك؟ وإذا كان الجواب ـقطعاًـ لا ، فلماذا رضيت هذا لزوجة غيرك؟ لقد كان ينبغي أن تقوم من أول وهلة بِصَدِّ هذه المرأة التي لم تراقب الله في زوجها  ونسيان هذه العلاقة الخاطئة.

إن هذه المرأة لم تكن أمينة على عرض زوجها لما انساقت وراء هواها، ونسيت أنها زوجة لرجلٍ غيرك وأنها أمٌّ لأولاد، نعم! لم تكن أمينة لما رضيت أن تقيم هذه العلاقة المحرمة مع رجلٍ آخر، وكيف طابت نفسها أن تفعل هذا وتهدم بيتها وتشتت شمل أولادها بيديها وتحت إملاء هواها؟ وإذا كانت هذه المرأة بهذا الوصف المشين وهي لا زالت على ذمة زوجها، ووالد أولادها، فهل ستكون أمينة معك في المستقبل؟ ما يُؤمِّنُك أن تفعل هذا مع رجلٍ وثانٍ وثالثٍ؟ إنها امرأة لعوب.

وأما وصفك لهذه العلاقة بأنها إعجابٌ تَحَوَّل إلى حب شديدٍ، فليس الأمر كما ترى، وإنما هي شهوة محرمة زيَّنها الشيطان لك ولها، وأخذت تزداد وتنمو بالكلام واللقاءات، ولذا فقد حرص الإسلام على النقاء والطهارة فجعل العلاقة بين الرجال والنساء مضبوطة بقيود شرعية وآداب مرعية. 

ومن ذلك أن الكلام مع الأجنبية الشابة إنما يجوز بقدر الحاجة الملحة كالحديث للبيع والشراء وطلب العلم ونحو ذلك، على أن يكون بأدب وحشمة، وبقدر الحاجة، وأما ما لا تدعو الحاجة إليه فلا ينبغي التمادي فيه، حتى إن جماعة من الأئمة منعوا تعزية الشابة بعدا عن أسباب الفتنة.

فلا يجوز أن يكون لمسلمٍ صاحبة من النساء لا تربطه علاقة شرعية بها، كما لا يجوز للمسلمٍ أيضاً أن يتخذ امرأة من غير محارمه يتحدث معها حديث الأنس والحب والغرام وغير ذلك مما يؤجج الغرائز، كما لا يجوز لمسلمة أن تتخذ رجلاً من غير محارمها تتحدث معه حديث الأنس والمزاح، والواجب على المسلم أن يجتنب الحديث مع النساء بلا حاجة لما أنَّ ذلك يَجُرُّ إلى مفاسد عظيمة وكثيرة، والواقع ومعطياته خير شاهد على هذا. 

من أجل ذلك أمر الله بالتحفظ في العورات، وحرَّم الاختلاط بين الرجل والمرأة إلا ما أجازه كبيع وشراء وشهادة ونحوها، وحرَّم الخلوة بالأجنبية أو الدخول عليها إلا لحاجة بحضور محرم، وحرَّم مصافحتها، و حرَّم لمسها لغير حاجة كعلاج ونحوه. 

واحمد الله تعالى أن ألهمك رشدك ، وعُدتَّ إلى صوابك، فاسيقظ ضميرك ورفضتَّ أن تتمادى معها في هذه العلاقة الخاطئة ، وبقي عليك أن تترك كل ما يربطك بهذه المرأة ، وأن تنسى كل ما يذكرك بها.

ومما يعينك على نسيانها ودفع هذه المحبة المحرمة من قلبك تقوية أواصر المحبة بينك وبين زوجتك، وإفراغ هذه المحبة المحرمة من قلبك بقضاء ما أباحه الله لك من الوطر منها، وقد ذكر العلماء أن هذا النوع من المحبة المحرمة يرجع إلى شهوة مكبوتة في النفس، ويمكن للرجل دفعها بإتيان زوجته، ولذا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه مسلم عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى امْرَأَةً فَأَتَى امْرَأَتَهُ زَيْنَبَ وَهِيَ تَمْعَسُ مَنِيئَةً لَهَا فَقَضَى حَاجَتَهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: (إِنَّ الْمَرْأَةَ تُقْبِلُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ وَتُدْبِرُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ فَإِذَا أَبْصَرَ أَحَدُكُمْ امْرَأَةً فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِي نَفْسِهِ) وفي رواية له أيضاً (إِذَا أَحَدُكُمْ أَعْجَبَتْهُ الْمَرْأَةُ فَوَقَعَتْ فِي قَلْبِهِ فَلْيَعْمِدْ إِلَى امْرَأَتِهِ فَلْيُوَاقِعْهَا فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِي نَفْسِهِ).

قال الإمام النووي رحمه الله في شرحه على صحيح مسلم: "وَمَعْنَى الْحَدِيث: أَنَّهُ يُسْتَحَبّ لِمَنْ رَأَى اِمْرَأَة فَتَحَرَّكَتْ شَهْوَته أَنْ يَأْتِي اِمْرَأَته أَوْ جَارِيَته إِنْ كَانَتْ لَهُ، فَلْيُوَاقِعهَا لِيَدْفَع شَهْوَته، وَتَسْكُن نَفْسه، وَيَجْمَع قَلْبه عَلَى مَا هُوَ بِصَدَدِهِ ".

قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ الْمَرْأَة تُقْبِل فِي صُورَة شَيْطَان وَتُدْبِر فِي صُورَة شَيْطَان) قَالَ الْعُلَمَاء : مَعْنَاهُ: الْإِشَارَة إِلَى الْهَوَى وَالدُّعَاء إِلَى الْفِتْنَة بِهَا لِمَا جَعَلَهُ اللَّه تَعَالَى فِي نُفُوس الرِّجَال مِنْ الْمَيْل إِلَى النِّسَاء، وَالِالْتِذَاذ بِنَظَرِهِنَّ، وَمَا يَتَعَلَّق بِهِنَّ، فَهِيَ شَبِيهَة بِالشَّيْطَانِ فِي دُعَائِهِ إِلَى الشَّرّ بِوَسْوَسَتِهِ وَتَزْيِينه لَهُ.

وَيُسْتَنْبَط مِنْ هَذَا أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهَا أَلَّا تَخْرُج بَيْن الرِّجَال إِلَّا لِضَرُورَةٍ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ الْغَضّ عَنْ ثِيَابهَا، وَالْإِعْرَاض عَنْهَا مُطْلَقًا "اهـ.

ومما يعين على نسيان هذه المحبة المحرمة أن يتذكر المحبُّ مساوئها ونقائصها ومعايبها ومناتنها وما يدعوه إلى كُرهها، روى ابن أبي شيبة عَنْ إبْرَاهِيمَ فِي الرَّجُلِ يَرَى الْمَرْأَةَ فتعجبه قَالَ: يَذْكُرُ مَنَاتِنهَا اهـ. 

نسأل الله أن يشرح صدرك وأن يبارك لك في أهلك، وأن يهديَ هذه المرأة وأن يبارك لها في زوجها وبيتها، والله الموفق.

  • والخلاصة

    احمد الله تعالى على يقظة ضميرك، وعلى توفيقه لك أن ألهمك رشدك وصوابك، ولم تنجر خلف عواطفك، وبقي عليك أن تترك كل ما يربطك بهذه المرأة، وأن تنسى كل ما يذكرك بها، والله الموفق.