عنوان الفتوى: الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

يطالب العلماء دوماً الناس بأن يكونوا مثل النبي وصحابته بالتقوى والصلاح، ولكن أليس ذلك مستحيلا ً؟ لأن ما كان للنبي صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم لا يمكن أن يتكرر لأن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم وموحى إليه ومصطفى من البشر والصحابة عاصروا النبي صلى الله عليه وسلم أرجو الإجابة التفصيلية مع الشكر ونحن مجموعة من الشباب الحائر؟  

نص الجواب

رقم الفتوى

4299

31-مارس-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فنسأل الله تعالى أن يهديكم من حيرتكم، ويثبتكم على الحق، ويرزقكم حلاوة الإيمان، فإن الإيمان إذا تمكن في القلب أزال منه كل الشكوك والحيرة، واعلم أخي الكريم أن الجواب على سؤالك يحتاج إلى معرفة المصطلحات، وتصويب المفاهيم:

أولاً- إن استخدام مصطلح المستحيل والممكن يجب أن يكون في مكانه، وقد عرفه العلماء:

فالواجب: ما لا يتصور في العقل عدمه.... والمستحيل: ما لا يتصور في العقل وجوده.... والجائز أو الممكن: ما يتصور في العقل وجوده أوعدمه، وبناء على ذلك فإن كل ما سألت عنه يقع في دائرة الممكن أو الجائز ولا يقع في دائرة المستحيل عقلاً.

ثانياً- إن الله سبحانه وتعالى قد اصطفى من البشر رسلاً، وتعهدهم بالرعاية والعناية، وعصمهم عن الزلل والخطأ، ليبلغوا رسالة الله تعالى ويكونوا قدوة للبشر في كيفية اتباع أوامر الله عز وجل، وإن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم قد اصطفاه الله تعالى ليكون خاتم النبيين، وإمام المرسلين، وقد أوحى الله إليه وأنزل عليه القرآن الكريم آخر الكتب السماوية، وجعله الإنسان الكامل وأمر البشر بالاقتداء به فقال عز من قائل: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}[الأحزاب:21].

وإن اصطفاءه ونزول الوحي عليه وعصمته أمور لازمة للاقتداء؛ لأن الإنسان يجب أن يقتدي بكمالات غيره، فلو لم يكن معصوماً وكاملاً لما صح أن يكون قدوة لغيره.

ثالثاً- إن الصحابة الكرام قد شرفهم الله تعالى بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم، فاكتحلت عيونهم برؤية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وأخذوا نصيبهم من قلبه وأنواره، واقتدوا به صلى الله عليه وسلم فنقلهم من الجهل إلى العلم، ومن الفقر إلى الغنى، ومن التشرذم والتباغض إلى التآلف والمحبة، وقد كان المصنع الأول في دار الأرقم بن أبي الأرقم، الذي خرج فيه أو مجموعة من الرجال فهاجر بهم إلى المدينة فكانوا نواة التغيير في مجتمع المدينة إذ دخل كل صحابي منهم أسرة فعلمهم كيف يتبعون أوامر الله وكيف يقتدون برسول الله صلى الله عليه وسلم في كل شؤون الحياة الأسرية والاقتصادية والعلمية والعبادية... فكانوا بذلك خير أمة أخرجت للناس ثم انتقلت التربية بالقدوة من الصحابة إلى التابعين ثم إلى تابعيهم، وهكذا حتى وصلتنا هذه التربية بالقدوة عبر علماء التربية والتزكية بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثالثاً- إن دعوة العلماء للناس وحثهم على التقوى بامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه فضيلة لا يخلو منها زمان، وإن كثيرين من المسلمين الذين يلامس قلوبهم النور الرباني يصبحون من المتقين الصادقين، ولو بحثت أخي الكريم عن المتقين لوجدتهم، فأين المستحيل في أمر قد وجد فعلاً وبكثرة بين المسلمين؟!

رابعا- نعم هناك أمور لا يستطيع عموم البشر أن يداوموا عليهم كما كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والسبب في ذلك عدم قدرتهم على صبر النبوة التي كانوا يتحلى بها، وقد سمع النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه يريدون التبتل مطلقاً والصوم مطلقاً وعدم النوم مطلقاً فقال لهم عليه الصلاة والسلام كما جاء في صحيح البخاري رحمه الله أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ الطَّوِيلُ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم؟َ فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ أَحَدُهُم:ْ أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ:" أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي".

لكن لا يعني هذا ترك الأمر بالكلية، وإنما يأمر أهل التربية والإرشاد في المقدور عليه، وما يستطيعه البشر، وإن الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدور عليه لكل أنواع البشر الموفقين، هدانا الله وإياكم على الاقتداء به والاعتصام بسنته، والله أعلم.

 

  • والخلاصة

    إن كل ما سألت عنه يقع في دائرة الممكن أو الجائز ولا يقع في دائرة المستحيل عقلاً، وقد جعل الله نبيه سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم الإنسان الكامل قدوة للبشر وإن اصطفاءه ونزول الوحي عليه وعصمته أمور لازمة للاقتداء؛ لأن الإنسان يجب أن يقتدي بكمالات غيره، فلو لم يكن معصوماً وكاملاً لما صح أن يكون قدوة لغيره، وإن دعوة العلماء للناس وحثهم على التقوى بامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه فضيلة لا يخلو منها زمان، وإن كثيرين من المسلمين الذين يلامس قلوبهم النور الرباني يصبحون من المتقين الصادقين، والله الموفق