عنوان الفتوى: هل للجمعة سنة قبلية

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

يقام الأذان الأول في المسجد يوم الجمعة قبل دخول وقت الظهر الفعلي بعدة دقائق، ولكن ألاحظ قيام غالبية الناس لأداء ركعتي سنة، فهل هي سنة صلاة الظهر؟ وهل يجوز صلاتها هكذا قبل دخول وقت الظهر الفعلي؟  

نص الجواب

رقم الفتوى

4217

17-مارس-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فنشكرك أخي السائل على سؤالك، ونتمنى لك التوفيق والهداية، والبعد عن أهل الضلال والغواية:

 واعلم أن الجواب على مسألتك يتناول ثلاثة جوانب، الجانب الأول: في حكم أذان الجمعة قبل الوقت أم بعده، والجانب الثاني هل للجمعة سنة قبلية أم لا، والجانب الثالث: وإذا قلنا بالسنية فهل تصح السنة المقيدة بسبب أو وقت أدائها قبل وقتها أو سببها.

فالجانب الأول: حكم الأذان قبل الوقت:

اعلم أن الحكم على أذان الجمعة حكمنا على أذان باقي الصلوات، وانه لا يجوز الأذان لها قبل دخول الوقت، وللجمعة أذانان، أولهما عند دخول الوقت، وهو الذي يؤتى به من خارج المسجد - على المئذنة ونحوها - وقد أمر به سيدنا عثمان رضي الله عنه حين كثر الناس.

والثاني وهو الذي يؤتى به إذا صعد الإمام على المنبر، ويكون داخل المسجد بين يدي الخطيب، وهذا هو الذي كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر وعمر حتى أحدث عثمان رضي الله عنه الأذان الثاني لحاجة الناس إلى ذلك.

فقد جاء في مواهب الجليل للحطاب رحمه:( غَيْرُ مُقَدَّمٍ عَلَى الْوَقْتِ ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْأَذَانِ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ تَحَقُّقِ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ لِلْإِعْلَامِ بِذَلِكَ وَإِذَا قُدِّمَ عَلَى الْوَقْتِ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَائِدَةٌ فَإِنْ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ قَبْلَ الْوَقْتِ أَعَادَ الْأَذَانَ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الْأَذَانَ الْأَوَّلَ لَمْ يَجُزْ).

وجاء في تبين الحقائق شرح كنز الدقائق:( قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَيَجِبُ السَّعْيُ وَتَرْكُ الْبَيْعِ بِالْأَذَانِ الْأَوَّلِ ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: { إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ } وَقِيلَ بِالْأَذَانِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إلَّا هُوَ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ إذَا وَقَعَ بَعْدَ الزَّوَالِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَوَجَّهَ عِنْدَ الْأَذَانِ الثَّانِي لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ السُّنَّةِ قَبْلَهَا، وَمِنْ اسْتِمَاعِ الْخُطْبَةِ بَلْ يُخْشَى عَلَيْهِ فَوَاتُ الْجُمُعَةِ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَجِبُ السَّعْيُ وَتَرْكُ الْبَيْعِ بِدُخُولِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ التَّوَجُّهَ إلَى الْجُمُعَةِ يَجِبُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ، وَإِنْ لَمْ يُؤَذِّنْ لَهَا أَحَدٌ ؛ وَلِهَذَا لَا يُعْتَبَرُ الْأَذَانُ قَبْلَ الْوَقْتِ)، وجاء في تحفة المحتاج للعلامة الهيتمي الشافعي( قَوْلُهُ: وَأَذَانَ الْجُمُعَةَ الخ ) الْأَوْلَى تَقْدِيمُهُ عَلَى قَوْلِ الْمَتْنِ فَمِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ ( قَوْلُهُ: لَيْسَ كَالصُّبْحِ فِي ذَلِكَ ) أَيْ: فِي التَّقْدِيمِ عَلَى الْوَقْتِ سم فَلَا يَصِحُّ قَبْلَ الْوَقْتِ ع ش)، وجاء في كتاب الإنصاف للعلامة المرداوي الحنبلي: ( وَلَا يَجُوزُ إلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، إلَّا الْفَجْرُ، فَإِنَّهُ يُؤَذَّنُ لَهَا بَعْدَ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ ).

الجانب الثاني: حكم سنة الجمعة القبلية:

والحكم على صلاة النافلة قبل صلاة الجمعة فقد يراد بها التطوع المطلق، وقد يراد بها أنها سنة الجمعة وهي راتبة قبلية كراتبتها البعدية، فإذا أريد بها التطوع المطلق فهي جائزة بل مستحبة، سواء فعلت قبل الزوال قبل دخول وقت صلاة الجمعة أو فعلت بعد الزوال قبل أن يخرج الإمام ليخطب الجمعة كما في رواية لمسلم  من اغتسل ثم أتى الجمعة فصلى ما قدِّر له ثم أنصت حتى يفرغ من خطبته ثم يصلى معه غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام.

وقد يراد بصلاة النافلة قبل صلاة الجمعة سنتها الراتبة كسنتها الراتبة التي تصلى بعدها، وهذه هي التي وقع فيها الخلاف بين الفقهاء في كونها مشروعة أو غير مشروعة، وأحب أن يتنبه المسلمون إلى أن الخلاف في هذه المسألة خلاف في أحد الفروع الاجتهادية التي لا ينبغي أن يتعصب أحد لرأيه فيها، أو ينكر على الآخر رأيه، فإن شرط الإنكار أن يكون المنكر مجمعا على أنه منكر، كما لا ينبغي أن يُرمى صاحب الرأي الآخر بأنه عاص أو مبتدع، ولتكن لنا قدوة بما كان عليه الأئمة المجتهدون، فقد أثر عن غير واحد منهم أنه قال: رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأى غيري خطأ يحتمل الصواب، وهذا هو أدبهم المعروف فيما بينهم.

وما دار بينهم من نقاش كان موضوعياً بعيداً عن المهاترات ملتزما أدب المجادلة بالحسنى، لأنهم كانوا يبغون الوصول إلى الحق من أجل الحق، وقد يسر أحدهم إذا ظهر الحق على يد غيره، كما أحب أن يتنبه المتجادلون إلى القاعدة الأصولية المعروفة:

الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال فلا يتمسك بالدليل لإثبات الوجوب أو الحرمة إذا احتمل الندب ولو الكراهة، والاحتمال قد يكون في ثبوت الدليل وقد يكون في دلالته، ويكفى المتعبد أن يصل إلى معرفة الحكم ولو بطريق الظن، فذلك وسعه الذي لا يكلفه الله إلا وسعها.

واعلم: إن الخلاف في مشروعيتها قديم وليس جديدا، ولم يأت المتكلمون اليوم عنها بأكثر مما جاء به الأولون فقد قال بمشروعيتها أبو حنيفة وأصحاب الشافعي في أظهر الوجهين عندهم والحنابلة في غير المشهور أيضا، ولم يقل بمشروعيتها مالك والحنابلة في المشهور عنهم، وبالتالي فالأدب المعروف بين الأمة أنه لا ينكر المختلف فيه إنما المجمع عليه فقط كما قدمنا.

وعلى كل حال فهذه أراء رجال المذاهب فعند الأحناف يسن صلاة أربع قبلها وأربع بعدها وعند الشافعية حكمها كالظهر.

فقد جاء في المبسوطَ: ( وَالتَّطَوُّعُ بَعْدَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعٌ لَا فَصْلَ بَيْنَهُنَّ إلَّا بِتَشَهُّدٍ وَقَبْلَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعٌ ) أَمَّا قَبْلَ الْجُمُعَةِ فَلِأَنَّهَا نَظِيرُ الظُّهْرِ وَالتَّطَوُّعُ قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا:{ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَطَوَّعُ قَبْلَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ }).

وجاء في الإقناع للشربيني: ( والجمعة كالظهر فيما مر فيصلي قبلها أربعا وبعدها أربعا لخبر مسلم: إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعا، وخبر الترمذي إن ابن مسعود كان يصلي قبل الجمعة أربعا وبعدها أربعا والظاهر أنه توقيف).

الجانب الثالث في حكم السنة قبل دخول وقتها أو سببها: اعلم أن الصلاة المقيدة بسبب أو وقت لا يجوز فعلها قبل دخول وقتها أو تأخيرها عن وقتها، لأن الشارع الحكيم قد جعل لها علامة من سبب أو وقت لتؤدى فيه، فعلى هذا فالسنة القبلية للجمعة لا يجوز تقديمها عن سببها وتعيينها، لأن سببها وقت الجمعة وهو الزوال، ولا يجوز إخراجها عن وقتها المشروع فلا معنى لها حينئذ، فهي مقيدة به سبباً وتعييناً ودخولاً وخروجاً، والله أعلم.

 

 

 

 

 

  • والخلاصة

    خلاصة القول: للجمعة أذانان الأول بعد دخول الوقت وهو على المنارات والثاني بين يدي الإمام، هكذا تعارفت الأمة على هذا بالتوارث، وعليه الأئمة الأربعة رضي الله عنهم، وليس للجمعة سنة قبلية كما عليه السادة المالكية والحنابلة، وقال بسنيتها الحنفية والشافعية، وقالوا هي كالظهر في الأحكام، وهي مسألة خلافية فلا يجوز الإنكار على فعلها أو الإنكار على تركها، وإنما يجب الإنكار على المجمع عليه ( أنه منكر) وهذا هو أدب الأمة الإسلامية في مسائل الخلاف، ولا يدخل وقت سنة الجمعة القبلية إلا بدخول وقت الظهر، والله أعلم.