عنوان الفتوى: حكم التداوي بالحبة السوداء والزيت

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

 أنا شاب في مقتبل العمر، أعاني من تساقط الشعر، ووصف لي زيت الزيتون مع رقية شرعية، - استغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه - مع الحبة السوداء كما في الحديث" فيها دواء من كل داء إلا السام": أريد من مشايخكم أن يفتوني؟ وهل هذا علاج لي بإذن الله تعالي مع أن الله هو الشافي وحده.

نص الجواب

رقم الفتوى

4120

03-مارس-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

 فنشكرك أخي السائل على سؤالك، واهتمامك بأمر دينك، ونقول لك إن الشرع الشريف رغب في التداوي وحث عليه بالحديث المروي عن ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:" يَا أَيُّهَا النَّاسُ تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَخْلُقْ دَاءً إِلا خَلَقَ لَهُ شِفَاءً إِلا السَّامَ". وَالسَّامُ: الْمَوْتُ. رواه الطبراني  ولكن يجب علينا أن نعرف حكم معاطاة الأسباب.

فالأسباب مأمورون بها شرعاً؛ لكن لا تأثير لها في مسبباتها مطلقاً، والمؤثر هو الله تعالى لا غيره، لكن هل هذا الدواء هو العلاج القطعي لهذه العلة؟ الجواب: أن مسببات الأسباب العادية ليست مطردة، قد يخلق الله تعالى مسبباتها وقد لا يخلقها رحمة بنا، وخوفاً من اعتقاد تأثيرها، ولو كانت النتيجة مطردة لاعتقد الناس أنها تؤثر مطلقاً في مسبباتها، هذا الذي عليه جمهور الأمة في اعتقادها في الأسباب.

فيجب علينا العمل بالأسباب، والشفاء على رب الأرباب لا رب سواه، ولكن ورد في الحبة السوداء أحاديث صحيحة وقد تكلم الفقهاء عليها فنقول:  

روى مسلم أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:" إِنَّ فِي الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ". وَالسَّامُ الْمَوْتُ وَالْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ الشُّونِيزُ، وعَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِ حَدِيثِ عُقَيْلٍ وَفِي حَدِيثِ سُفْيَانَ وَيُونُسَ الْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ وَلَمْ يَقُلْ الشُّونِيزُ.

قال الإمام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم: (( وَالْحَبَّة السَّوْدَاء الشُّونِيز)) هَذَا هُوَ الصَّوَاب الْمَشْهُور الَّذِي ذَكَرَهُ الْجُمْهُور. قَالَ الْقَاضِي: وَذَكَرَ الْحَرْبِيّ عَنْ الْحَسَن أَنَّهَا الْخَرْدَل قَالَ: وَقِيلَ: هِيَ الْحَبَّة الْخَضْرَاء، وَهِيَ الْبُطْم، وَالْعَرَب تُسَمِّي الْأَخْضَر أَسْوَد، وَمِنْهُ سَوَاد الْعِرَاق لِخُضْرَتِهِ بِالْأَشْجَارِ، وَتُسَمِّي الْأَسْوَد أَيْضًا أَخْضَر... ثُمَّ قَالَ: وَذَكَرَ الْأَطِبَّاء فِي مَنْفَعَة الْحَبَّة السَّوْدَاء الَّتِي هِيَ الشُّونِيز أَشْيَاء كَثِيرَة، وَخَوَاصّ عَجِيبَة، يَصْدُقهَا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا؛ فَذَكَر جَالِينُوس أَنَّهَا تَحِلّ النَّفْخ، وَتُقِلّ دِيدَان الْبَطْن إِذَا أُكِلَ أَوْ وُضِعَ عَلَى الْبَطْن، وَتَنْفِي الزُّكَام إِذَا قُلِيَ وَصُرَّ فِي خِرْقَة وَشُمَّ، وَتُزِيل الْعِلَّة الَّتِي تَقْشُر مِنْهَا الْجِلْد، وَتَقْلَع الثَّآلِيل الْمُتَعَلِّقَة وَالْمُنَكَّسَة وَ الْخِيلَان، وَتُدِرّ الطَّمْث الْمُنْحَبِس إِذَا كَانَ اِنْحِبَاسه مِنْ أَخْلَاط غَلِيظَة لَزِجَة، وَيَنْفَع الصُّدَاع إِذَا طُلِيَ بِهِ الْجَبِين، وَتَقْلَع الْبُثُور وَالْجَرَب، وَتُحَلِّل الْأَوْرَام الْبَلْغَمِيَّة إِذَا تُضَمَّد بِهِ مَعَ الْخَلّ، وَتَنْفَع مِنْ الْمَاء الْعَارِض فِي الْعَيْن إِذَا اُسْتُعِطَ بِهِ مَسْحُوقًا بِدُهْنِ الْأَرَلْيَا، وَتَنْفَع مِنْ اِنْتِصَاب النَّفْس، وَيُتَمَضْمَض بِهِ مِنْ وَجَع الْأَسْنَان، وَتُدِرّ الْبَوْل وَاللَّبَن، وَتَنْفَع مِنْ نَهْشَة الرَّتِيلَا، وَإِذَا بُخِّرَ بِهِ طَرَدَ الْهَوَامّ.

قَالَ الْقَاضِي: وَقَالَ غَيْر جَالِينُوس؛ خَاصِّيَّته إِذْهَاب حُمَّى الْبَلْغَم وَالسَّوْدَاء، وَتَقْتُل حَبّ الْقَرْع، وَإِذَا عُلِّقَ فِي عُنُق الْمَزْكُوم نَفَعَهُ، وَيَنْفَع مِنْ حُمَّى الرِّبْع. قَالَ: وَلَا يَبْعُد مَنْفَعَة الْحَارّ مِنْ أَدْوَاء حَارَّة بِخَوَاصّ فِيهَا، فَقَدْ نَجِد ذَلِكَ فِي أَدْوِيَة كَثِيرَة، فَيَكُون الشُّونِيز مِنْهَا لِعُمُومِ الْحَدِيث، وَيَكُون اِسْتِعْمَاله أَحْيَانًا مُنْفَرِدًا، وَأَحْيَانًا مُرَكَّبًا .

قَالَ الْقَاضِي: وَفِي جُمْلَة هَذِهِ الْأَحَادِيث مَا حَوَاهُ مِنْ عُلُوم الدِّين وَالدُّنْيَا، وَصِحَّة عِلْم الطِّبّ، وَجَوَاز التَّطَبُّب فِي الْجُمْلَة، وَاسْتِحْبَابه بِالْأُمُورِ الْمَذْكُورَة مِنْ الْحِجَامَة، وَشُرْب الْأَدْوِيَة، وَالسَّعُوط، وَاللَّدُود، وَقَطْع الْعُرُوق، وَالرُّقَى قَالَ: قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"  أَنْزَلَ الدَّوَاء الَّذِي أَنْزَلَ الدَّاء". هَذَا إِعْلَام لَهُمْ، وَإِذْن فِيهِ، وَقَدْ يَكُون الْمُرَاد بِإِنْزَالِهِ إِنْزَال الْمَلَائِكَة الْمُوَكَّلِينَ بِمُبَاشَرَةِ مَخْلُوقَات الْأَرْض مِنْ دَاء و َدَوَاء. و َذَكَرَ بَعْض الْأَطِبَّاء فِي قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" شَرْطَة مِحْجَم أَوْ شَرْبَة عَسَل أَوْ لَذْعَة بِنَارٍ". أَنَّهُ إِشَارَة إِلَى جَمِيع ضُرُوب الْمُعَافَاة وَاللَّهُ أَعْلَم .

ثم يكفينا في الزيت والزيتون ما ذكره الله تعالى عنهما في سورة النور {يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}[النور35]، والله اعلم.

 

  • والخلاصة

    ا لأخذ بالأسباب مطلوب والنتيجة على رب الأرباب، ولا نستطيع الجزم بالشفاء، لأن الأمر راجع إلى الله عز وجل، وقد ورد في الحبة السوداء أحاديث صحيحة، وقد ذكر الله في القرآن في الزيت والزيتون ما هو مشهور لديك، وعلينا العلاج و التداوي، والشفاء من عند الله الواحد الباقي، والله أعلم.