عنوان الفتوى: الأمور لا تقع إلا بقدر الله تعالى

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

لي ابنة تمت خِطبتها أكثر من أربع مرات، وفي كل مرة يأتي الخاطب وله رغبة شديدة في الزواج، وبعد أن تتم الخطبة يعود الخاطب بعد فترة قصيرة بأعذار مختلفة لفك الخطبة، أرجو إفادتي إن كان لما يحصل تفسير شرعي، فقد قيل: إن قرين هذه البنت يقوم بتنفير الخاطب مما يتسبب معه إلغاء الخطبة في كل مرة، الرجاء إفادتي.

نص الجواب

رقم الفتوى

4118

14-مارس-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فاعلم حفظك الله أنه لا يقع في ملك الله تعالى إلا ما أراده الله تعالى، وأن العبد لن يٌحَصِّلَ من الرزق إلا ما قدَّره الله تعالى له، والرزق لا حيلة فيه، والعبد يولد ورزقه مكتوب عند الله تعالى قبل ولادته، بل هو مكتوبٌ في الأزل، فقد روى الشيخان عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ:" إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيد"ٌ... الحديث.

كما أنه لن يموت عبدٌ حتى يستوفي رزقه الذي كتبه الله وقدَّره له، فقد روى ابن ماجه واللفظ له، والحاكم وصححه على شرط مسلم، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ خُذُوا مَا حَلَّ وَدَعُوا مَا حَرُمَ".

فلا يحدث للعبد خيرٌ أو شرٌ إلا فيما كتبه الله له أو عليه، فإذَا قدَّرَ اللهُ تباركَ وتعالَى أمرًا لعبدِهِ أو على عبده فإنهُ واقعٌ لاَ محالةَ،  كما روى الترمذي وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ:" يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ؛ احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ؛ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ؛ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ؛ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ؛ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ؛ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ". 

والزواج رزق يسوقه الله تعالى للعبد، ولكن الله شاءت إرادته واقتضت حكمته أن يجعل الأمور بمقاديرها، قال تعالى:{إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ }[القمر49]، فما يحدث من إتمام الزواج إنما هو بقدر الله تعالى، وما يحدث من عدم إتمامه يقع بقدر الله أيضاً، فالنافع والضار هو الله تعالى، قال تعالى:{قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ }[التوبة51].

ولعل ما حدث من عدم إتمام الزواج في المرات السابقة فيه خير لكم، لعلَّ الله تعالى سيخلف عليها خيراً من هؤلاء، ولكن له تعالى في حدوث هذا حكمة يعلمها، والواجب عليكم الإيمان بقدر الله والرضا بقسمه، وأن تصدقوا التوكل عليه، فلا يملك أحد من الخلق النفع والضرَّ لأحد 

وأما القرين فالمقصود به شيطان الجن الذي يقترن بابن آدم، ويسعى جاهداً ليضله عن سواء السبيل، لكن الجن قد يتسلطون على الإنس ويقهرونهم على سلوك معين، يحاولون إفساد حياتهم عليهم، وغالباً ما يكون عرضة لذلك أصحاب الشخصية الضعيفة والغافلون عن ذكر الله تعالى، وكل ذلك يقع بمشيئة الله تعالى وقدره، ولا ينجو من ذلك إلا من أعطاه الله القوة فنجاه منهم، وذلك بالالتجاء والاعتصام بالله تعالى والتحصن بالأذكار المشروعة، قال تعالى حكاية عن إبليس:{ قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين }[ص:82 - 83 ]. 

وعلى كلٍّ فعلى المسلم مدافعة هذا الشيطان، وهذا هو المطلوب منه شرعاً، وهو أمر مقدور عليه، ويمكن للمسلم إضعاف عمله والتأثير عليه بكثرة الذكر والدعاء وقراءة القران وخاصة سورة البقرة وسورة الإخلاص والمعوذتين، وملازمة الطهارة والعمل بالطاعات وترك المحرمات، وكلما كان العبد قريباً من الله كان تأثير القرين عليه ضعيفاً، والعكس إن كان بعيداً من الله، كما أخبر الله تعالى:{وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [الزخرف:36]، وللمزيد عن علاقة القرين بالإنسان راجع الفتوى رقم (1060) على موقعنا، والله أعلم.

 

  • والخلاصة

    الزواج رزق يسوقه الله تعالى للعبد، ولكن الله شاءت إرادته واقتضت حكمته أن يجعل الأمور بمقاديرها، فما يحدث من إتمام الزواج إنما هو بقدر الله تعالى، وما يحدث من عدم إتمامه يقع بقدر الله أيضاً، ولعلَّ الله تعالى سيخلف عليها خيراً من هؤلاء، ولا علاقة للقرين بذلك. والله أعلم.