عنوان الفتوى: أثر الإعسار على سقوط الدين

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

إذا كان الدين لا يسقط إلا بأدائه ووفائه، أو الإبراء منه، فإذا حكم بحبس المعسر على يد قاض شرعي، فهل هذا يعتبر إبراء؟ و ما هي شروط الإبراء من الدين؟

نص الجواب

رقم الفتوى

4102

13-مارس-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فاعلم يا أخي أن العُسرة: ضيق الحال من جهة عدم المال أو عدم قدرة المرء على أداء ما عليه من مال.

وقد ندب الإسلام إلى مساعدة المدين المعسر وإعطائه من سهم الغارمين في الزكاة، والغارمون هم المدينون لمصالح أنفسهم أو لمصلحة عامة، ولكن يشترط أن يكون قد ثبت إعساره وفقره، وأن يكون دينه بسبب عمل مباح من نفقة أو تجارة أو زواج ونحو ذلك.

والمعسر: هو الذي لا يجد وفاء لدينه، فإنه يمهل حتى يوسر، ويترك يطلب الرزق لنفسه وعياله ودائنيه، ولا يحل مطالبته ولا ملازمته ولا مضايقته، لأن الله عز وجل أمر بإنظاره إلى وقت الميسرة فقال تعالى:{ وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} [ البقرة 280 ].

وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم فضل إنظار المعسر وثوابه عند الله تعالى، وأن في ذلك مغفرة لذنوبه. فروى مسلم في صحيحه عن أبي اليسر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" من أنظر معسراً أو وضع عنه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله"، أخرجه مسلم. وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" من سرَّه أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفِّس عن معسر أو يضع عنه"، أخرجه مسلم، و إنظار المعسر: تأخيره إلى أن يوسر والوضع عنه إسقاط الدين عن ذمته.

و الله تعالى ندب الدائن إلى أن يعفو عن دينه ويتصدق به على المعسر، فقال تعالى:{ وأن تصَدَّقوا خير لكم إن كنتم تعلمون} [ البقرة 280 ]، وقد استدل جماهير أهل العلم بهذه الآية الكريمة على أن التصدق بالدين على المدين المعسر خير وأفضل عند الله من إنظاره، لما في الصدقة عليه من تفريج همه وإزالة كربه، وقد سن الإسلام الكثير من الوسائل لمعالجة الديون المتعثرة بسبب الإعسار، ومن ذلك:

أولاً- فسخ البيع واسترداد المبيع:

 ذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة، إلى أن البيع يفسخ ويسترد المبيع إذا أعسر المشتري ولم يتمكن من أداء ثمن السلعة المبيعة، واستدلوا لذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم:" من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق به من غيره"، متفق عليه. فما ينطبق على المفلس ينطبق على المعسر، لأن كل مفلس معسر وليس العكس.

وشروط فسخ البيع واسترداد المبيع:

1- أن تكون السلعة باقية على حالها لم تتغير، ولم يتصرف فيها المشتري ببيع أو هبة أو غير ذلك.

2- أن لا يتعلق بالسلعة حق للغير، كأن تكون مرهونة، لئلا يقع الضرر على المرتهن.

3- أن لا يبذل باقي الدائنين ثمن تلك السلعة للبائع، فإن بذلوه ولو من مالهم الخاص بهم فليس للبائع أخذ السلعة، لأن الرجوع في السلعة إنما يجوز لدفع ما يلحقه من النقص في الثمن، فإذا بذل له بكماله لم يكن له الرجوع كما لو زال العيب من المعيب.

ثانياً- إجبار القاضي للمدين المفلس على التكسب:

ذهب جمهور الفقهاء من المالكية الحنفية والشافعية وأحمد في رواية: إلى أن المدين المفلس لا يجبر على التكسب ومؤاجرة نفسه مطلقاً، لقوله تعالى:{ وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} [ البقرة 280 ].

و قوله صلى الله عليه وسلم لغرماء معاذ: " خذوا ما وجدتم، ثم ليس لكم إلا ذلك "، أخرجه مسلم. ولأن الدين إنما تعلق بذمته فلا يطالب به إلا عند اليسار.

و ذهب الحنابلة في رواية إلى أن المدين المفلس يجبر على التكسب إذا كان يحسن صنعة أو محترفاً.

أما المدين المماطل وهو موسر فيمكن للقاضي أن يتبع معه الخطوات التالية:

إجباره على قضاء دينه، ولو ببيع بعض العروض التي يمكن الاستغناء عنها. كما يمكن تعزير المدين المماطل بالحبس والمنع من السفر ومن فضول ما يحل له من الطيبات، تمكين الدائن من فسخ البيع واسترداد المبيع.

وأخيراً يا أخي فاعلم أن الدين حق لا بد من أدائه، ولا يسقط هذا الحق بالإعسار، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المـصـدوق بأداء الحقوق وأخبر أن نفس المؤمن معلقة بدينه، وكان صلى الله عليه وسلم يستعيذ من الدين؛ وقـــــال: "يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدّيْن"، رواه مسلم، وفي حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صـلـى الله عليه وسلم: "نفس المؤمن معلقة بديْنه حتى يُقضى عنه ". رواه الترمذي.

وإبراء رب الدين لمن عليه الدين لا يصح إلا بصيغة تدل على الإبراء، كأن يقول عفوت عنك أو وهبتك إياه أو تصدقت به عليك، أو أسقطته عنك، أو تركته لك، أو ملكتك إياه، أو نحو ذلك من الألفاظ التي تدل على الإبراء، والله أعلم.

  • والخلاصة

     والدين حق لا يسقط إلا بأدائه ووفائه، أو الإبراء منه، ولا يؤثر فيه تقادم الزمان، فيبقى متعلقاً بذمة المدين المعسر ولو حبس ولكن لا يطالب به حتى يوسر فيقوم بالأداء، والله أعلم.