عنوان الفتوى: حكم إزالة المساجد الخشبية المؤقتة (الكرفانات).

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

 منذ فترة قامت الهيئة بإزالة مسجد كرفان كان بجوارنا وكنا نصلي فيه دائماً وألفناه، ونضمن حضور صلاة الجماعة فما حكم إزالة المساجد من أماكنها؟ وهل هناك فرق بين الكرفانات التي وضعتها الشركات لصلاة العمال وبين الكرفانات التي وضعت على أرض موقوفة كمسجد؟

نص الجواب

رقم الفتوى

4080

06-مارس-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

 فبارك الله فيك أخي السائل وأحسن إليك، ورزقنا وإياك معرفة الحق مع اتباعه، ومعرفة الباطل مع اجتنابه، إنه سميع مجيب.

فما سألت عنه أخي الكريم من قيام الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف بإزالة المساجد الخشبية المؤقتة من أماكنها صحيح، انطلقت فيه الهيئة من مراعاة مصلحة شرعية معتبرة سنبينها لك من خلال هذه الفتوى إن شاء الله تعالى.

وإن الإجابة عن سؤالك أخي الفاضل يتضمن عدة جوانب:

الجانب الأول: توصيف المساجد الخشبية المؤقتة (الكرفانات):

الكرفانات: هي عبارة عن مساجد خشبية متحركة وقد استخدمت حديثاً تلبيةً لحاجة الناس إلى المساجد ولسرعة إنشائها وسهولة وضعها، مما جعلها مؤقتة وليست مساجد دائمة يصلي فيها الناس، فهي ليست دائمة ولا تكتسب صفة الديمومة وإنما هي مؤقتة تزال عند انتهاء الحاجة إليها.

الجانب الثاني: التفريق بين ما وضع من هذه المساجد على أرض موقوفة وغير موقوفة:

إن هذه المساجد لها حالتان: إما أنها وضعت على أرض موقوفة لبناء مسجد ولكن للحاجة السريعة تمَّ وضع هذه الكرفانات حتى يتم استبدالها بالمناسب الدائم، وإما أنه قد قامت بوضعه بعض الشركات أو الأفراد على أرض غير مخصصة للمسجد وغير موقوفة وإنما وضع المسجد ليصلي فيه العمال؛ أو أن يقوم أحد المحسنين في أحد المناطق فيقوم بوضع مسجد على قطعة أرض ليجتمع عليها الجيران فيصلوا فيها، ولكل واحدة منهما حكم.

الجانب الثالث: حكم إزالة هذه الكرفانات:

فأما الأول: فله حكم المسجد ويجوز إزالته بشرط أن يبنى مكانه مسجداً دائماً يليق بقدسية المسجد وعظم مكانتها في النفوس، فإن الله جميل يحب الجمال، وحكمه كحكم هدم المسجد القديم وإعادة بنائه لاستمرارية حكم الوقف فيه تبعا لأصله.

وأما الثاني: فليس له حكم المسجد وإنما هو مكان قد هيأ للصلاة فله حكم المصلى وليس له حكم المسجد لعدة أمور:

1- إن المسجد هو ما وقفت أرضه للمسجد وحبست عليه سواء بنيت تلك الأرض أو لم تبنَ، وأما الكرفانات فهي عبارة عن مكان يهيأ للصلاة دون وقف أرضه في الغالب لذلك لا تكون مسجداً ولا تعطى حكم المسجد إن لم تكن موقوفة، نصَّ على ذلك العلماء قال الإمام النووي في المجموع شرح المهذب: (المصلى المتخذ للعيد وغيره الذي ليس بمسجد لا يحرم المكث فيه على الجنب والحائض على المذهب و به قطع الجمهور) اهـ.

والدليل من هذا النص أنه لو كانت الأرض التي هيئت للصلاة ولم توقف أرضها فلا تعتبر مسجداً ولا تجري عليها أحكام المساجد فحينئذ يصح للحائض و النفساء المكث بها، وإذا وقفت أرضها فتجري عليها أحكام المساجد فحينئذ يحرم المكث فيه على الجنب والحائض على مذهب الجمهور.

2- إن الأصل في المسجد أن يكون على أرض موقوفة ليضمن بقاؤه واستمراره وهو شرط الموقوف، وأما مساجد الكرفانات فإنها بالأساس مؤقتة ووضعت على شكل مؤقت ولا يضمن بقاؤها وديمومتها، ذكر صاحب بدائع الصنائع الإمام الكاساني في شروط الموقوف: (وأما الذي يرجع إلى الموقوف فأنواع : ( منها ) أن يكون مما لا ينقل ولا يحول كالعقار ونحوه، فلا يجوز وقف المنقول مقصوداً لما ذكرنا أن التأبيد شرط جوازه ووقف المنقول لا يتأبد لكونه على شرف الهلاك، فلا يجوز وقفه مقصوداً إلا إذا كان تبعا للعقار) اهـ.

3- الحفاظ على السلامة ومعلوم أنه من مقاصد الشريعة الإسلامية الحفاظ على النفس البشرية وصيانتها من الضرر، وإن المساجد الخشبية المؤقتة قد تعرض المصلين فيها للخطر، فقد أفادت تقارير البلدية أن هذه الكرفانات يمكن في حال نشوب حريق -لا سمح الله - أن تحترق بالكامل في غضون ثلاث دقائق أي قبل أن تصل إليها أيُّ نجدة من الدفاع المدني هذا هو المشهور في مثل هذه الحالة!.

وهذا يعني أنها خالية تماماً مما يضمن ( فيما أمرنا أن نأخذه من أسباب) سلامة النفس الإنسانية والحفاظ عليها؛ فهي سريعة الاشتعال لأي سبب وخاصة في ظل ارتفاع الحرارة كما أنها تضر بالبيئة ويكثر تحتها تجمع الحشرات والقوارض، عدا عن الرائحة الكريهة التي تخرج في الصيف نتيجة ارتفاع الحرارة وما يثيره الخشب من روائح، وتعرض المصلين لضيق التنفس.

4- تعزيز مكانة المسجد وقدسيته في نفوس الناس، فالمساجد لها قدسية كبيرة تعجز عن وصفها العبارات وقد انفردت بهذه القدسية عن سائر الأمكنة والبقاع، فهي بيوت الله في أرضه ومكان للعبادة والتربية والتزكية، تهوي الأفئدة إليها وتستكين النفوس بها، ومن الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: " رَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسْاجِدِ".

وإن دولة الإمارات وما تشهده من طفرة عمرانية رائعة أدهشت عيون الناس وأفئدتهم لم تكن المساجد غائبة عن هذه الطفرة بل كان لها السبق في ذلك يشهد لجمال عمرانها ورونقها وعظيم الاهتمام بها وفود من الناس يتشوقون لرؤية ما حباه الله لهذه الدولة قيادة وشعباً في خدمة بيوت الله تعالى والاعتناء بها.

ولذلك وإيماناً من الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف ودورها الطموح في مواكبة التطور الذي تشهده الدولة فإنها سعت سعياً دؤوباً للارتقاء بمساجد الدولة لتواكب النهضة العمرانية التي تشهدها الدولة فسعت إلى إزالة تلك المساجد والعمل الحثيث على استبدالها بمساجد دائمة؛ تجعل فيه المساجد نسقاً عمرانياً رائعاً مبدعاً، ورفعاً لقيمة الوقف، وشدة الاهتمام به، بما يجعلها تزهو على غيرها مما يتم إنشاؤه على أرض البلد، وبما يضمن تميز المساجد العمراني والروحي فلا تصبح الإنشاءات العمرانية في وادٍ والمساجد في وادٍ آخر، والله تعالى أعلم.

  • والخلاصة

    المساجد الخشبية المؤقتة (الكرفانات) إن بنيت على أرض وقفية فيجوز إزالتها بشرط أن تبنى مساجد دائمة مكانها استمراراً لمصلحة الواقف، والله يعلم المفسد من المصلح، وأما إن بنيت على أرض غير وقفية فهي مصليات ليس لها حكم المسجد وتجوز إزالتها، والله تعالى أعلى وأعلم، وبمصالح خلقه أحكم.