عنوان الفتوى: من آداب ليلة الزفاف

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

 كيف أطلب من زوجي في ليلة الزواج (قبل الدخول) صلاة قيام الليل وإتمام صلاة الفجر مع العلم أن الزفاف ينتهي تقريبا قبل صلاة الفجر؟ أدعو لي باليسر والبركة في الزواج، وبالذرية الصالحة، بارك الله فيكم و جعله في ميزان حسناتكم.

نص الجواب

رقم الفتوى

4073

13-مارس-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

 فجزاك الله خيراً أختي السائلة الكريمة، وزادك حرصاً، وبارك لك في زوجك، وبارك لزوجك فيكِ، وجمع بينكما على خير.

واعلمي حفظك الله أنَّ الحياة الزوجية تقوم أساساً على المودة والرحمة، فالزواج آية عظيمة من آيات الله تعالى؛ قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} [الروم: 21]. 

ففي ظله تلتقي النفوس على المودة والرحمة والحصانة والطهر وكريم العيش والستر، وتتشابك الأسر والعائلات على رباط المحبة والألفة والمصاهرة، وفي كنفه تنشأ الطفولة وترتبط النفوس بالنفوس وتتعانق القلوب بالقلوب، فالزواج هو إنشاء لأسرة مسلمة وإقامة لَبنة في بناء المجتمع المسلم، ولما كانت كل هذه المعاني في الزواج إذ نحن مُتَعَبَّدُون به لله تعالى، أمرنا الله تعالى أن نحسن البدء به حيث نبدأ بناء هذا البيت المسلم على وفق ما أمرنا الله به، لا أن نبدأ حياتنا بالمعاصي

ومن ثمَّ فينبغي ألا يطول حفل الزفاف بحيث يُفَوِّتُ عليكما وعلى مُهَنِّئِيكُم صلاة الفجر، بل ينبغي أن تكون مناسباتنا وأعراسنا عوناً لنا على طاعة الله تعالى، وليست باعثاً على الغفلة عن طاعة الله. 

و كذلك ينبغي أن تتعلمي أنت وزوجك الآداب الشرعية المطلوبة في هذه الليلة، وما هو فعله صلى الله عليه وسلم، وما هو دأب الصالحين في مثل هذه الليلة.

فمن السنَّة إذا دخل الرجل على عروسه أن يأخذ بناصيتها، وأن يدعو بالبركة وأن يقول كما ورد في الحديث الذي رواه ابن ماجة بسندٍ حسنٍ عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (إِذَا أَفَادَ أَحَدُكُمْ امْرَأَةً أَوْ خَادِمًا أَوْ دَابَّةً فَلْيَأْخُذْ بِنَاصِيَتِهَا وَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِهَا وَخَيْرِ مَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ ).

ويسنُّ أن يصلي معها ركعتين، ويدعو بالمأثور؛ كما روى عبد الرزاق في مصنفه بسند صحيحٍ عن أبي وائل قال جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: إني تزوجت امرأة، وإني أخاف أن تفركني، فقال عبد الله: إنَّ الإلف من الله، وإن الفرك من الشيطان، ليكره إليه ما أحل الله، فإذا أدخلت عليك فمرها فلتصل خلفك ركعتين، قال الأعمش: فذكرته لإبراهيم، قال: وقال عبد الله: وقل: اللهمَّ بارك لي في أهلي، وبارك لهم فيَّ، وارزقني منهم، وارزقهم مني، اللهمَّ اجمع بيننا ما جمعت إلى خير، وفرق بيننا إذا فرقت إلى خير. 

و لا بدَّ لكل من الزوجين أن يعرف حقوق الآخر عليه، وما يحب وما يكره، ليتمكن من أدائه لصاحبه، وهذا أعون على أن تستقر الحياة الزوجية فيما بعد، قال تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوف}[البقرة:228]. كما ينبغي أن تبنى البيوت على التفاهم والتناصح برفق وأدب ومحبة بما يحفظ لكل منهما حقه.

وهذه قصة أسوقها إليكِ أختي السائلة تحكي لنا أدباً عالياً وسلوكاً راقياً في توجيه كل من الزوجين للآخر،ومعرفة كلٍّ منهما لحقوق صاحبه ، فقد أورد الإمام ابن عبد ربه الأندلسي في كتاب طبائع النساء قصة طويلة عن القاضي شريح وهو يقصُّ على الإمام الشعبي ما حدث ليلة زفافه ، وما رأى من رجحان عقل امرأته، قال : ... حتى أدخلت على فقلت: إن من السنة إذا دخلت المرأة على زوجها أن يقوم فيصلى ركعتين فيسأل الله من خيرها ويعوذ من شرها، فصليت وسلمت فإذا هي من خلفي تصلي بصلاتي، فلما قضيت صلاتي أتتني جواريها فأخذن ثيابي وألبسنني ملحفة قد صبغت في عكر العصفر، فلما خلا البيت دنوت منها فمددت يدي إلى ناحيتها، فقالت: على رسلك أبا أمية، كما أنت، ثم قالت: الحمد لله أحمده وأستعينه وأصلى على محمد وآله، إني امرأة غريبة لا علم لي بأخلاقك فبين لي ما تحب فآتيه وما تكره فأزدجر عنه، وقالت إنه قد كان لك في قومك منكح وفي قومي مثل ذلك، ولكن إذا قضى الله أمرا كان وقد ملكت فاصنع ما أمرك الله به : إمساك بمعروف أوتسريح بإحسان أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولك. 

قال فأحوجتني والله يا شعبي إلى الخطبة في ذلك الموضع ، فقلت: الحمد لله أحمده وأستعينه وأصلى على النبي وآله وأسلم وبعد، فإنك قد قلت كلاما إن تثبتي عليه يكن ذلك حظك وإن تدعيه يكن حجة عليك، أحب كذا وأكره كذا ونحن جميع فلا تفرقي، وما رأيت من حسنة فانشريها وما رأيت من سيئة فاستريها، وقالت شيئا لم أذكره كيف محبتك لزيارة الأهل ؟ قلت: ما أحب أن يملني أصهاري. قالت: فمن تحب من جيرانك أن يدخل دارك آذن لهم ومن تكرهه أكرهه؟ قلت: بنو فلان قوم صالحون وبنو قوم سوء. قال: فبت يا شعبي بأنعم ليلة ومكثت معي حولا لا أرى إلا ما أحب، فلما كان رأس الحول جئت من مجلس القضاء فإذا بعجوز تأمر وتنهى في الدار فقلت: من هذه؟ قالوا فلانة ختنك . فسرى عني ما كنت أجد فلما جلست أقبلت العجوز فقالت: السلام عليك أبا أمية. قلت: وعليك السلام ،من أنت ؟ قالت: أنا فلانة ختنك. قلت: قربك الله، قالت: كيف رأيت زوجتك ؟ قلت: خير زوجة. فقالت لي: أبا أمية إن المرأة لا تكون أسوأ منها في حالتين إذا ولدت غلاما أو حظيت عند زوجها، فإن رابك ريب فعليك بالسوط فوالله ما حاز الرجال في بيوتهم شرا من المرأة المدللة. قلت: أما والله لقد أدبت فأحسنت الأدب ورضت فأحسنت الرياضة. قالت: تحب أن يزورك ختانك؟  قلت : متى شاءوا. قال: فكانت تأتيني في رأس كل حول توصيني تلك الوصية فمكثت معي عشرين سنة لم أعتب عليها في شيء إلا مرة واحدة وكنت لها ظالما.اهـ

ونسأل الله تعالى أن يؤلف بين قلبيكما وأن يدخل عليكما الفرح والبهجة والسرور، وأن يديم بينكما المودة، وأن يرزقكما حياة طيبة مملوءة بالإيمان، وأن يمنَّ عليكما بالذرية الصالحة، والله الموفق.

 

 

 

 

  • والخلاصة

    ينبغي ألا يطول حفل الزفاف بحيث يُفَوِّتُ عليكما وعلى مُهَنِّئِيكُم صلاة الفجر، كما ينبغي أن تتعلمي أنت وزوجك الآداب الشرعية المطلوبة في هذه الليلة، وما هو فعله صلى الله عليه وسلم، وما هو دأب الصالحين في مثل هذه الليلة، ولا بدَّ لكل من الزوجين أن يعرف حقوق الآخر عليه، وما يحب وما يكره، ليتمكن من أدائه  لصاحبه،كما ينبغي أن تبنى البيوت على التفاهم والتناصح برفق وأدب ومحبة بما يحفظ لكل منهما حقه، ونسأل الله لنا ولكم التوفيق . وألف مبروك