عنوان الفتوى: حكمة الله تعالى في عطاياه

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

يقول الله تعالى {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }البقرة261: ما وجه اقتران اسمي (الواسع و العليم) في هذه الآية بخاصة؟  

نص الجواب

رقم الفتوى

4063

13-مارس-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فجزاك الله خيراً أخي السائل الكريم على سؤالك، وزادك حرصاً، وبارك فيك، واعلم حفظك الله أن الحديث في هذا الموضوع سيكون من عدَّة جوانب:

الجانب الأول: أن العطاء الإلهي الموقوف على سبب من الأسباب، سواء كان السبب قولاً لسانياً أو فعلاً أركانياً كإنفاق بالمال مثلاً، فإن هذا تشريع متعلِّق بوعده الصادق، والوعد الصادق لا يتخلف، لكن لا يعني أن يعطي الله في الحال، وربما يجعله في المآل، فحكمته تعالى تقتضي أحياناً تعجيل إجابة الدعاء، وأحياناً تقتضي تأخيره أو ادخاره في الآخرة، وأحياناً تقتضي أن يصرف عنه مثلها من الشر.

كما أخرج أحمد والبزار وأبو يعلى بأسانيد جيدة والحاكم وقال صحيح الإسناد من حديث أبي سعيد رضي الله عنه مرفوعاً :" ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها".

فإن اقتضت حكمته تعالى تعجيل الخير لعبده عجَّل له ذلك، وإن اقتضت حكمته أن هذا العطاء بمقتضى الوعد الصادق لا يصلح إلا في الدار الآخرة أخَّرها له رحمة بعبده، فعلى هذا ينبغي للعبد ألا يستعجل، ولا يظن السوء بوعد الله الصادق .

قال الإمام ابن عطاء الله السكندري رحمه الله في الحِكَم: لا يكن تأخر أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجباً لِيأسك، فهو ضمن لك الإجابة فيما يختار لك، لا فيما تختار لنفسك، وفي الوقت الذي يريد، لا في الوقت الذي تريد .اهـ

قال الإمام أحمد بن محمد الفاسي المالكي المعروف  بِزَرُّوق رحمه الله في شرح الحِكم: إنما جعل الإجابة فيما اختاره تعالى عيناً ووقتاً لوجوه ثلاثة: أحدها: رفقاً بعبده وعناية لأنه كريم رحيم عليم، والكريم إذا سأله من يعزّ عليه أعطاه أفضل ما علمه له، والعبد جاهل بالصلاح والأصلح، فقد يحب الشيء وهو شر له، ويكره الشيء وهو خير له، فافهم .

الثاني: لأن ذلك أبقى لأحكام العبودية في نظر العبد وأقوى في ظهور سطوة الربوبية، إذ لو كانت الإجابة بالدعاء على وفق المراد ضمناً لكان نفس دعاءه تحكماً، على الله تعالى، وذلك باطل، فافهم

الثالث: لأن الدعاء عبودية سرّها إظهار الفاقة، ولو كانت الإجابة بعين المراد حتماً لما صحَّت فاقة في عين الطلب، فبطل سرّ التكليف به ومعنى الاضطرار المطلوب فيه، فافهم. اهـ

فهذه حكمته تعالى في إجابة الدعاء وكذا في غيرها من صور العطاء الدنيوي والأخروي

الجانب الثاني : أن الآية في قوله تعالى { والله يضاعف لمن يشاء }[البقرة 261]. أن الله تعالى علَّق المضاعفة بمشيئته، والمشيئة راجعة لإرادته، والإرادة راجعة إلى علمه بخلقه، وعلم الله تعالى تعلَّق بكل معلوم بحسب ماله من عطاء ومنع، فلا يعطيك إلا ما قسمه لك، ولا يمنعك إلا ما ليس لك، لقوله تعالى {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ }[الحجر21].

قال الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره: أي وإن من شيء من أرزاق الخلق ومنافعهم إلا عندنا خزائنه؛ يعني المطر المنزل من السماء، لأن به نبات كل شيء. قال الحسن: المطر خزائن كل شيء. وقيل: الخزائن المفاتيح، أي في السماء مفاتيح الأرزاق؛ قاله الكلبي والمعنى واحد . { وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } أي ولكن لا ننزله إلا على حسب مشيئتنا وعلى حسب حاجة الخلق إليه؛ كما قال : { وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأرض ولكن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يشاء } [ الشورى :27 ] . وروي عن ابن مسعود والحكم بن عُتيبة وغيرِهما أنه ليس عام أكثر مطراً من عام، ولكن الله يقسمه كيف شاء، فيُمْطَر قوم ويحرم آخرون، وربما كان المطر في البحار والقِفار .اهـ

فإن القدر المعلوم هو الذي تعلَّق بقضائه الأزلي، والقدر المعلوم متعلِّق بقدرته، وقدرته متعلِّقة بإرادته، وإرادته متعلِّقة بعلمه الأزلي، والعلم الأزلي خزائن، ولا ينزله إلا بقدر معلوم، فلا يعطيك إلا بمقتضى ما لك في تلك الخزائن حسب وعده الصادق، وكلامه السابق {وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ }الحجر21 

الجانب الثالث : إذا أراد الله أن يعطيك شيئا سخَّر لك أسباب العطاء من كلام كالدعاء والذكر والشكر، أو فعل الجوارح والأركان كإنفاق الصدقة وبذل المعروف، ووعدك عليه بالجزاء، لكن الجزاء إما أن يكون بعضه في الدنيا، والبعض الآخر في الآخرة إن اقتضت حكمته ذلك، وإما أن يدخره لك في الآخرة، وعلى كلا القولين فالعطاء متحقق في الدنيا والآخرة، فلا يكن نظرك مقيَّداً بالعطاء الدنيوي فقط، قال الإمام ابن عطاء الله السكندري رحمه الله في الحِكَم: لا يُشككنك في الوعد عدم وقوع الموعود وإن تعيَّن زمنه، لئلا يكون ذلك قدحاً في بصيرتك وإخماداً لنور سريرتك .اهـ 

ومما سبق يتضح أن تفاوت زمن العطاء والإجابة، أو قدر العطاء والإجابة لا يقتضي المنع الكلي، ولكن لله تعالى في خلقه شؤون، وفي عطائه ومنعه شؤون لا يعلمها إلا المخلصون العالمون، والتعجيل والتأخير والزيادة والنقصان، كل ذلك راجع لحكمة المنان، فسبحان من له الخلق والأمر، لا يسأل عما يفعل وهم سألون، قال الشيخ عبد الغني النابلسي رحمه الله:

                                  رُبَّ شخص تقوده الأقدار    للمعالي وما لذاك اختيـــــار

                                  غافل والسعادة احتضنته      وهو منها مستوحش نفَّار

                                  و فتى كابد العبادة حتــــى      منه قد مَلَّ ليلــــه والنهار

                                  يتسامى بالذكر والفكر قصداً   وهو ناءٍ وعنه شط المزار

                                 حِكم حارت البرية فيــــــــها     وحقيـــق بأنــــــها تحتــــار

                                  وعطايا من المهيمن دلَّــتْ     أنه الله الفاعـــــــل المختار

والله أعلى وأعلم، وأعز وأحكم.

 

  • والخلاصة

     العطاء الإلهي الموقوف على سبب من الأسباب سواء كان السبب قولاً لسانياً أو فعلاً أركانياً كإنفاق المال مثلا، فإن هذا تشريع متعلِّق بوعده الصادق، والوعد الصادق لا يتخلف، لكن لا يعني أن يعطي الله في الحال، وربما يجعله في المآل، والإجابة لا تقتضي المنع الكلي، ولكن لله تعالى في خلقه شؤون، وفي عطائه ومنعه شؤون لا يعلمها إلا المخلصون العالمون، فسبحان من له الخلق والأمر، لا يسأل عما يفعل وهم سألون، والله أعلى وأعلم، وبشؤون خلقه أحكم.