عنوان الفتوى: تنزيه الله عن المكان

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

أناس يسألون الناس أين الله؟ لو قال له: على العرش استوى فجوابه صحيح كما هو معروف، ولو أجاب له في كل مكان حاضر وناظر فيبادر أذهانهم إلى السؤال بكل جرأة هل هو موجود في الحمام -أنا اسأل منه هل يسمح للإنسان أن يعمل كل ما هو يريد في الحمام لأنك نفيت وجود الرقابة- ولو قلت علمه وقدرته شامل لهذه الأماكن فأي إنصاف هذا!! تنفي ذاته وتشمل صفاته لها لأن علم الله وقدرته صفات الله سبحانه وتعالى، ونقطة الأخيرة ألا يصدق عليهم قول الله -{فأما الذين في قلوبهم زيغ...} استواء معروف كيف مجهول والسؤل عنه بدعة ---الله علم لذات واجب الوجود المستجمع لجميع صفات الكمال المنزه من الزوال والنقصان.  

نص الجواب

رقم الفتوى

4018

13-مارس-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فيقول الله سبحانه وتعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}[طه:5]، والمراد بهذه الآية سبق بيانه في الفتوى رقم 2923.

قال الإمام ابن الجوزي الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه تلبيس إبليس (ص/106): (ومن الواقفين مع الحس أقوام قالوا: هو على العرش بذاته، على وجه المماسة، فإذا نزل انتقل وتحرك، وجعلوا لذاته نهاية، وهؤلاء قد أوجبوا عليه المساحة والمقدار، واستدلوا على أنه على العرش بذاته بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ينزل الله إلى سماء الدنيا، قالوا: ولا ينزل إلا من هو فوق، وهؤلاء حملوا نزوله على الأمر الحسي، الذي يوصف به الأجسام، و هؤلاء المشبهة الذين حملوا الصفات على مقتضى الحس).

وإذا علم المسلم أن الكون كله من العرش إلى الفرش، ومن الذرة إلى المجرة، مخلوق لله تعالى، فكيف يعتقد أن الله تعالى يسكنُ فيه أو في جزء منه، أو يعتمد عليه أو على جزء منه، فالله تعالى كما يستحيل أن يكون في مكان مخصوص، يستحيل أيضاً أن يكون في كل مكان، لأن المكان والأمكنة من خلق الله والله ليس حَالَّاً في خلقه، بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته، ومقهورون في قبضته.

قال إمام أهل السنة أبو الحسن الأشعري رحمه الله في الإبانة: (الإبانة (ص/21): وأن الله تعالى استوى على العرش على الوجه الذي قاله، وبالمعنى الذي أراده، استواء منزها عن المماسة والاستقرار، والتمكن والحلول والانتقال، لا يحمله العرش بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته، ومقهورون في قبضته، وهو فوق العرش وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى، فوقية لا تزيده قربا إلى العرش والسماء).

فقوله فوقية لا تزيده إلى العرش قرباً تفيد أن المقصود بالفوقية على العرش ليست فوقية المكان والجهة والمسافة.

فنثبت العلو والاستواء لورود النص به في كتاب الله تعالى، ونقطع بأن العلو ليس المراد به علو المكان، وأن الاستواء ليس معناه الاستقرار والجلوس، ثم نسكت كما سكت الصحابة والتابعون، ونكل علم معنى ذلك إلى العليم الخبير.

قال الإمام عبد القاهر بن طاهر البغدادي الفرق بين الفرق (ص/319): (واجمعوا - أي أهل السنة - على أنه سبحانه وتعالى لا يحويه مكان، ولا يجري عليه زمان، ... وقد قال أمير المؤمنين على - رضي الله عنه - إن الله تعالى خلق العرش إظهاراً لقدرته لا مكاناً لذاته، وقال أيضاً: قد كان ولا مكان وهو الآن على ما كان)، والله أعلم.

 

  • والخلاصة

    أجمع أهل الحق على أن الله تعالى ليس حالاً في مخلوق، وذهب أهل الضلال إلى أن الله في كل مكان، وذهب بعضهم إلى أنه في مكان واحد هو العرش، والكل مخطئ، والحق أن الله تعالى منزهٌ عن ذلك كله، وأنه سبحانه لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان، كان سبحانه قبل أن يخلق المكان، وهو سبحانه على ما عليه كان.