عنوان الفتوى: التوبة من أخذ الأموال بغير حق

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

 أنا أعمل محاسباً واقترفت أخطاء شنيعة في عملي، من أخذ أموال بدون وجه حق؛ وتلاعب في الحسابات مع أنها مؤسسة ليست كبيرة إني تعبان جداً، و ضميري و عقلي نادمان، وعزمت النية على الإخلاص في  عملي وإتقانه بمنتهى الأمانة، ولكن أنا أعرف أنه يجب علي التحلل وإخبار صاحب العمل بما اقترفته من أفعال شنيعة في حقه، ولكن سوف أخسر عملي وكل شيء، أعلم أني أخطأت ولكن طيش شباب وغباء جارف اقترفته في حق نفسي وحق ديني ومهنتي وخيانة للأمانة إني حقاً نادم؟

نص الجواب

رقم الفتوى

4014

27-فبراير-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

 فيا أخي السائل الكريم بارك الله بك و جزاك الله خيراً، وتقبل الله توبتك:

فإن الله تعالى أمر برعاية الأمانة وأدائها إلى أهلها، فقد قال سبحانه وتعالى: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا } [النساء:58]، وحذر سبحانه من خيانتها فقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ }[الأنفال:27]

وعدَّ صلى الله عليه وسلم خيانتها من صفات المنافق حين قال: " آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ "، رواه البخاري ومسلم.

واعلم أن أخذ أموال الناس بغير حق إثمٌ عظيمٌ، وذنبٌ جسيمٌ، يوجب على صاحبه التوبة إلى الله توبة نصوحاً، والاستغفار والندم على ما سلف من الذنوب، والإقلاع عنها خوفاً من الله سبحانه وتعظيماً له، والعزم الصادق على عدم العودة إليها؛ قال تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً} [النساء:110]، وقال تعالى: {فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة:39]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً} [التحريم:8]، وقال تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}[النور:31].
والتوبة هنا لا تتحقق إلا بأربعة شروط وهي:
1ـ أن يترك هذا الفعل.
2ـ أن يندم على فعله فيما مضى.
3ـ أن يعزم على عدم العودة إليه أبداً.
4ـ أن يرد الحق بكامله إلى أهله عندما يستطيع ذلك،

أما عن كيفية ردِّ هذا المال فإن ذلك أمر ممكن بوسائل شتى دون علم أصحاب هذا العمل، ومن ذلك وضعه في حساب الشركة دون إخبارهم بذلك، ولا نظن ذلك عسيراً في هذا الزمن، فإذا بقي عليك مبلغ بعد ذلك لعدم توافر المال لديك، وغلب على ظنك أنه يمكنك الوفاء به في المستقبل، فلا مانع من تأخير سداده للعذر مع العزم على الوفاء به.

أما إذا غلب على ظنك أنه يتعذر عليك الوفاء به في المستقبل، فالواجب عليك أن تتحلل الشركة من ذلك، ما لم يترتب على ذلك ضرر يخل بحياتك،
ودل على وجوب ردِّ المَظالِم والحقوق إلى أهلها؛ قوله صلى الله عليه وسلم: "مَن كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء، فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم؛ إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه؛ فحمل عليه"، (أخرجه البخاري)، (وروى أحمد، وأصحاب السنن، وصححه الحاكم): أنَّ رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم قال: "على اليد ما أخذت حتى تؤدِّيه".
و عليه فيجب عليك ردِّ ما أخذته من تلك الشركة، ولو بطريقة غير مباشرة، وأن تبذل في سبيل ذلك كل ما تقدر عليه، هذا إن كنت تعلم مقدار المال الذي أخذته، وأما إن كنت لا تعلم مقدار ما أخذت، فاعمل بغلبة الظن مع الاحتياط، فإن كنت شاكاًّ هل أخذت ألفاً، أو ألفاً و مائة؟ فاجعلها ألفاً و مائة احتياطاً وأَكْثِرْ من الأعمال الصالحة؛ قال الله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود:14].

  • والخلاصة

    يجب على من أخذ أموالاً بغير وجه حق أن يتوب إلى الله تعالى، ويندم على ما فعل، ويعزم على عدم العودة، كما يجب عليه أن يرد الأموال التي أخذها إلى أصحابها أو يستسمحهم منها لتقبل توبته، والله أعلم.