عنوان الفتوى: حقيقة الجِنِّ

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

 هل الجن ميكروبات كما يقول البعض؟ وإذا كانت ميكروبات هل يعني أن جميع الميكروبات مكلفة بالصلاة والصوم وغير ذلك، أم أنها فقط وسيلة يتخذها الجن للإيذاء بالبشر؟ أم أنها مخلوقات غير الميكروبات خلقها الله وحباها نعمة العقل والنسل وما إلى ذلك؟ مع أني قرأت أن الجمل مخلوق من نار وأن الدراسات توصلت إلى نتائج تظهر بأن الجمل يختلف عن بقية الحيوانات، وأن هناك حديثاً وما إلى ذلك؟

نص الجواب

رقم الفتوى

4007

25-فبراير-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

 فجزاك الله خيراً أيها الأخ الكريم على سؤالك، وبارك فيك، وزادك حرصاً

واعلم حفظك الله أن الحديث في هذا الموضوع سيكون من أربعة جوانب:

فأما الجانب الأول : فهو عن حقيقة الجن، فقد دلّت الكتب السماوية على وجود الجن حقيقة، وأجمع المسلمون عليه، وهذا أمر معلوم حتى عند جاهلية العرب، وثبت بنصوص الكتاب والسنة أنهم أمة كالإنس، وهم يتناسلون ويموتون، ولهم سمات تخصهم عن الإنس، وقد أنكر وجود الجن بعض الفلاسفة، وهو خلاف ما عليه جماهير علماء الإسلام.

 ونقل الإمام القاسمي رحمه الله في تفسيره محاسن التأويل عن الإمام الماوردي رحمه الله قوله: الجن من العالم الناطق المميز، يتناسلون، ويموتون، وأشخاصهم محجوبة عن الأبصار، وإن تميزوا بأفعال وآثار، إلا أن الله يخص برؤيتهم من يشاء.اهـ 

ونقل الإمام السفاريني الحنبلي رحمه الله في لوامع الأنوار البهية عن الإمام القاضي أبي يعلى بن الفراء رحمه الله قوله: الجن أجسام مؤلفة، وأشخاص ممثلة، ويجوز أن تكون رقيقة وأن تكون كثيفة ... والجن يأكلون ويشربون ويتناكحون كما يفعل الإنس.اهـ 

 وقد نزلت سورة من سور القرآن الكريم تتحدث عنهم، وعن استماعهم للقرآن الكريم، وعن إيمان من آمن منهم، وعن كفر من كفر منهم، قال تعالى {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً .يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً }[الجن 1-2] 

وذكر الله تعالى أن منهم المؤمن والكافر ، ومنهم البر والفاجر ، وأن مؤمنهم يدخل الجنة ، وكافرهم يدخل النار ، قال تعالى {وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً . وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً } [الجن14- 15]

وأن منهم من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم من حاول إيذاءه صلى الله عليه وسلم، كما روى النسائي في الكبرى عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فسمعناه يقول:" أعوذ بالله منك" ثم قال:" ألعنك بلعنة الله ثلاثاً ". وبسط يده كأنه يتناول شيئاً فلما فرغ من الصلاة قلنا يا رسول الله: قد سمعناك تقول في الصلاة شيئاً لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك قال:" إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي فقلت: أعوذ بالله منك ثلاث مرات ثم قلت: ألعنك بلعنة الله فلم يستأخر ثلاث مرات ثم أردت أن آخذه والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقاً يلعب به ولدان أهل المدينة".

وأخبر الله تعالى على ألسنة الأنبياء والرسل حقيقة وجودهم، وأنهم أمة كالإنس، وأنهم يتناكحون ويتناسلون، وأنهم مكلفون كالإنس، وأن لهم قدرة وطاقة أكثر من البشر، وأنهم يظهرون أحياناً في بعض الأشكال غير صورتهم الطبيعية، كما ثبت أنهم ظهروا في شكل الحيات.  

 قال الإمام أبو محمد ابن حزم الظاهري رحمه الله في كتاب الفصل: لكن لما أخبرت الرسل الذين شهد الله عز وجل بصدقهم بما أبدى على أيديهم من المعجزات المحيلة للطبائع بنص الله عز وجل على وجود الجن في العالم وجب ضرورة العلم بخلقهم ووجودهم وقد جاء النص بذلك وبأنهم أمة عاقلة مميزة متعبدة موعودة متوعدة متناسلة يموتون وأجمع المسلمون كلهم على ذلك، نعم والنصارى والمجوس والصابئون وأكثر اليهود حاشا السامرة فقط فمن أنكر الجن أو تأول فيهم تأويلاً يخرجهم به عن هذا الظاهر فهو كافر مشرك حلال الدم والمال قال تعالى: {أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني} [الكهف50]. وهم يروننا ولا نراهم قال الله تعالى:{ إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم }[الأعراف27]. اهـ

وإجماع المسلمين ثابت على أنهم مكلفون، وتسري عليهم أحكام الإسلام في ذلك

قال الإمام ابن عبد البر المالكي رحمه الله في التمهيد: الجن عند الجماعة مكلفون مخاطبون لقوله تعالى { يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ } وكقوله { فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } ... ولا يختلفون أن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول إلى الإنس والجن نذير وبشير هذا مما فضل به على الأنبياء أنه بعث إلى الخلق كافة الجن والإنس. 

وقال الإمام الرحيباني الحنبلي رحمه الله في مطالب أولي النهى: الجن مُكَلَّفُونَ فِي الْجُمْلَةِ إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونَ }[الذاريات55]. يَدْخُلُ كَافِرُهُمْ النَّارَ، إجْمَاعًا، وَ يَدْخُلُ مُؤْمِنُهُمْ الْجَنَّةَ، لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ، وَلَا يَصِيرُ تُرَابًا، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَاللَّيْثِ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، فِي أَنَّهُ يَصِيرُ تُرَابًا، وَأَنَّ ثَوَابَهُ النَّجَاةُ مِنْ النَّارِ كَالْبَهَائِمِ، وَهُمْ، أَيْ : مُؤْمِنُو الْجِنِّ فِيهَا كَغَيْرِهِمْ مِنْ الْآدَمِيِّينَ عَلَى قَدْرِ ثَوَابِهِمْ، لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ، لَا أَنَّهُمْ حَوْلَهَا، أَيْ: الْجَنَّةِ ... وَيَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ فِيهَا ... قَالَ ابْنُ حَجَرٍ : الْجِنُّ أَجْسَامٌ هَوَائِيَّةٌ أَوْ نَارِيَّةٌ، أَيْ : يَغْلِبُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فَهُمْ مُرَكَّبُونَ مِنْ الْعَنَاصِرِ الْأَرْبَعَةِ كَالْمَلَائِكَةِ عَلَى قَوْلٍ، وَقِيلَ: أَرْوَاحٌ مُجَرَّدَةٌ، وَقِيلَ: نُفُوسٌ بَشَرِيَّةٌ مُفَارِقَةٌ عَنْ أَبْدَانِهَا، وَعَلَى كُلٍّ؛ فَلَهُمْ عَقْلٌ وَفَهْمٌ، يَقْدِرُونَ عَلَى التَّشَكُّلِ بِأَشْكَالٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَعَلَى الْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ فِي أَسْرَعِ زَمَنٍ، وَصَحَّ خَبَرُ أَنَّهُمْ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ ذُو أَجْنِحَةٍ يَطِيرُونَ بِهَا، وَحَيَّاتٌ، وَآخَرُونَ يَحِلُّونَ وَيَرْحَلُونَ .اهـ 

وأما الجانب الثاني: فهو عن ادعاء كون الجن ميكروبات، فقد زعم بعضهم أن الجن عبارة عن ميكروبات تدخل إلى بدن الإنسان فتصيبه، وينشأ عنها الأمراض التي تصيب بدن الإنسان، وهو قول فاسد يناقض ما قرره علماء الإسلام كما ذكرناه.

وقد ذكر الله تعالى في كتابه عن قدرتهم وطاقتهم الهائلة، فهم أكثر قوة من البشر، كما قال تعالى عن صُنعهم الدروع والمحاريب لنبي الله سليمان عليه السلام: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ }[سبأ13]. وهم الذين نقلوا عرش بلقيس إلى نبي الله سليمان عليه السلام، قال تعالى: {قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ }[النمل39].

 فهل تستطيع الميكروبات أن تقوم بهذه الأعمال؟ بالطبع لا، فهم أمة كالأنس، يتناكحون ويتناسلون ويموتون، ومنهم المؤمن والكافر، ومنهم من يدخل الجنة، ومنهم من يدخل النار.  

وأما الجانب الثالث فهو عن مس الجن للإنسان:  فإنه ثابت بنص كتاب الله تعالى وبنصوص سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبه قال علماء الإسلام، خلافاً لمن أنكر ذلك، وقد ورد في الأحاديث دلالة صريحة على أنه مسٌّ حقيقي، وأن الشيطان قد يتلبس الإنسان، و يدخل فيه، وأن هذا يقع لعموم الناس حتى الصالحين منهم. 

ومع كل هذا فقد شرع الله تعالى العلاج لمن ابتلي بشيءٍ من المس، ومن وسائل العلاج قراءة القرآن الكريم، وخاصة سورة البقرة، وخاصة آية الكرسي وخواتيمها، وكذا قراءة سورة الإخلاص والمعوذتين ، وقراءة الأذكار، ومنها الأوراد والأدعية الشرعية المتعلقة بالتحصن من الشيطان، ومنها قراءة الرقية الشرعية، وللمزيد عنها راجع الفتوى رقم ( 703) على موقعنا. 

وأما الجانب الرابع فهو عن خلق الجمل: فقد روى الطبراني وغيره بسندٍ صحيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:" لَا تُصَلُّوا فِي عَطَنِ الْإِبِلِ فَإِنَّهَا مِنْ الْجِنِّ خُلِقَتْ أَلَا تَرَوْنَ عُيُونَهَا وَهِبَابَهَا إِذَا نَفَرَتْ وَصَلُّوا فِي مُرَاحِ الْغَنَمِ فَإِنَّهَا هِيَ أَقْرَبُ مِنْ الرَّحْمَةِ".

والمراد أن في طبعها نفوراً، وأنها ينتج منها من المضار والأذى وسوء الطبع الكثير، وأن في أخلاقها شبهاً كبيراً بأخلاق الشياطين.

قال الإمام الباجي المالكي رحمه الله في المنتقى شرح الموطأ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَصَّ الْإِبِلَ بِذَلِكَ لِمَا رُوِيَ أَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ الْجِنِّ فَاسْتَعَاذَ بِاللَّهِ مِنْ سُوءِ مَا خُلِقَتْ مِنْهُ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ فِي الْإِبِلِ شَيْءٌ مِنْ أَخْلَاقِ مَنْ خُلِقَتْ مِنْهُ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّ مَعْنَى مَا رُوِيَ أَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ الْجِنِّ أَنَّ فِيهَا مِنْ النِّفَارِ وَالْحِدَّةِ وَالْأَذَى وَالصَّوْلِ إِذَا هَاجَتْ مَا شُبِّهَتْ مِنْ أَجْلِهِ بِالْجِنِّ، فَعَلَى هَذَا أَيْضًا يُحْتَمَلُ أَنْ يُؤْمَرَ أَنْ يَسْتَعِيذَ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الَّذِي شُبِّهَ بِهِ مَا اشْتَرَاهُ بِشَرِّهِ وَأَذَاهُ وَرُبَّمَا سَبَّبَتْ لَهُ أَسْبَابَ الشَّرِّ وَحَمَلَهُ عَلَى النِّفَاقِ وَالْأَذَى وَالتَّرْوِيعِ وَالْهَيَجَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .اهـ

وقال العلامة ابن عابدين الحنفي رحمه الله في حاشيته: والظاهر أن معنى كون الابل من الشياطين أنها خلقت على صفة تشبههم من النفور والإيذاء، فلا يأمن المصلي من أن تنفر وتقطع عليه صلاته كما قاله بعض الشافعية: أي فيبقى باله مشغولاً حال سجوده، وبهذا فارقت الغنم.اهـ

وقال الإمام المناوي رحمه الله في فيض القدير: قال ابن جرير: معناه أنها خلقت من طباع الشياطين وأن البعير إذا نفر كان نفاره من شيطان يعدو خلفه فينفره، ألا ترى إلى هيئتها وعينها إذا نفرت؟ انتهى.

ومما يدل على أن المراد في خلق الإبل هو المشابهة في الطبع والخلق، وليس كونها خلقت من نار كالجن، أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي النوافل على ظهر البعير، وما كان صلى الله عليه وسلم ليصلي على ظهر شيطان.

قال الإمام أبو حاتم ابن حبان رضي الله عنه في صحيحه: لو كان الزجر عن الصلاة في أعطان الإبل لأجل أنها خلقت من الشياطين؛ لم يصل صلى الله عليه وسلم على البعير، إذ محال أن لا تجوز الصلاة في المواضع التي قد يكون فيها الشيطان، ثم تجوز الصلاة على الشيطان نفسه، بل معنى قوله صلى الله عليه وسلم : « إنها خلقت من الشياطين » أراد به أن معها الشياطين على سبيل المجاورة والقرب، اهـ ، وقد علل الفقهاء هذا النهي لشدة نفورها كما تقدم، والله أعلم.

 

 

 

  • والخلاصة

    أجمع المسلمون على وجود الجن بنصوص الكتاب والسنة وأنهم أمة كالإنس، وأنهم يتناسلون ويموتون، ولهم سمات تخصهم عن الإنس، ومنهم المؤمن والكافر، وأن مؤمنهم يدخل الجنة، وكافرهم يدخل النار، وأنهم مكلفون كالإنس، وأن لهم قدرة وطاقة أكثر من البشر، وأنهم يظهرون أحياناً في بعض الأشكال غير صورتهم الطبيعية، وقد رد علماء الأمة قول من قال أنهم ميكروبات تدخل إلى بدن الإنسان فتصيبه، وينشأ عنها الأمراض التي تصيب بدن الإنسان، كما زعم البعض.

    كما أن مس الجن للإنسان ثابت بنص كتاب الله تعالى وبنصوص سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبه قال علماء الإسلام، ومع كل هذا فقد شرع الله تعالى العلاج لمن ابتلي بشيءٍ من المس، وأما خلق الإبل فالمراد أن في طبعها نفوراً، وأنها ينتج منها من المضار والأذى وسوء الطبع الكثير، وأن في أخلاقها شبهاً كبيراً بأخلاق الشياطين.