عنوان الفتوى: مس الشيطان للإنسان

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

هل ممكن أن يمس الشيطان الإنسان المسلم ويحاول إيذاءه ؟ وما هو الدليل على مس الشيطان للإنسان؟ وما هو العلاج من المس؟

نص الجواب

رقم الفتوى

3961

25-فبراير-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فاعلمي حفظك الله أن مس الشيطان للإنسان ثابت بنص كتاب الله تعالى ، قال تعالى {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ...الآية }[البقرة275].

قال الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره :هذه الآية دليل على فساد إنكار من أنكر الصَّرْع من جهة الجِنّ، وزعم أنه من فِعل الطبائع، وأن الشيطان لا يسلك في الإنسان ولا يكون منه مَسٌّ .اهـ 

كما أن مس الشيطان للإنسان ثابت بالسنة أيضاً، فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:" مَا مِنْ بَنِي آدَمَ مَوْلُودٌ إِلَّا يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ غَيْرَ مَرْيَمَ وَابْنِهَا". ثُمَّ قال أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ { وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ }[آل عمران36].

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في الفتح: قال القرطبي: هذا الطعن من الشيطان هو ابتداء التسليط، فحفظ الله مريم وابنها منه ببركة دعوة أمها حيث قالت: {إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم}.اهـ

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله أيضاً: والحاصل أن إبليس ممكن من مس كل مولود عند ولادته لكن من كان من المخلصين لم يضره ذلك ويستثنى منهم مريم وابنها فإنه ذهب يمس فحيل بينهما فهذا وجه الاختصاص .اهـ

وقال صاحب مرعاة المفاتيح الشيخ أبو الحسن عبيد الله الرحماني المباركفوري: والمراد بالمس الحقيقي أي الحسي لقوله - صلى الله عليه وسلم - في رواية للبخاري:" كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبه بإصبعيه حين يولد غير عيسى بن مريم، ذهب يطعن فطعن في الحجاب".

ومن الأدلة على إثبات مس الشيطان للإنسان ما رواه ابن ماجه في سننه بسندٍ صحيحٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ قَالَ: لَمَّا اسْتَعْمَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الطَّائِفِ جَعَلَ يَعْرِضُ لِي شَيْءٌ فِي صَلَاتِي حَتَّى مَا أَدْرِي مَا أُصَلِّي، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ رَحَلْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:" ابْنُ أَبِي الْعَاصِ" قُلْتُ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ:" مَا جَاءَ بِكَ" قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: عَرَضَ لِي شَيْءٌ فِي صَلَوَاتِي حَتَّى مَا أَدْرِي مَا أُصَلِّي قَالَ:" ذَاكَ الشَّيْطَانُ ادْنُهْ".  فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَجَلَسْتُ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيَّ قَالَ: فَضَرَبَ صَدْرِي بِيَدِهِ وَتَفَلَ فِي فَمِي؛ وَقَالَ:" اخْرُجْ عَدُوَّ اللَّهِ " فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قَالَ:" الْحَقْ بِعَمَلِكَ" قَالَ: فَقَالَ عُثْمَانُ: فَلَعَمْرِي مَا أَحْسِبُهُ خَالَطَنِي بَعْدُ.

ففي الحديث دلالة صريحة على أن الشيطان قد يتلبس الإنسان و يدخل فيه و لو كان مؤمنا صالحاً، كما حدث لبعض الصحابة رضي الله عنهم.

ومنها ما رواه الحاكم و صححه، ووافقه الذهبي عن يعلى بن مرة، عن أبيه، قال: سافرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيت منه شيئاً عجباً ،... وفيه قال: وأتته امرأة فقالت: إن ابني هذا به لمم منذ سبع سنين يأخذه كل يوم مرتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"  أدنيه ". فأدنته منه فتفل في فيه وقال:" اخرج عدو الله أنا رسول الله ". 

قال الإمام المناوي رحمه الله في فيض القدير: قال الطيبي: المس والطعن عبارة عن الإصابة بما يؤذيه ويؤلمه لا كما زعمه المعتزلة أن المس تخييل واستهلاله صارخاً من مسه تصوير لطمعه فيه كأنه يمسه ويضرب بيده عليه ويقول هذا ممن أغويه .... وقال البيضاوي: مس الشيطان تعلقه بالمولود وتشويش حاله والإصابة بما يؤذيه ويؤلمه أولاً كما قال تعالى عن أيوب:{أني مسني الشيطان بنصب وعذاب}[سورة ص 41].

 ومن كل ما سبق يتبين لنا أن مس الشيطان للإنسان ثابت بنصوص الكتاب والسنة، وبه قال علماء الإسلام، خلافاً لمن أنكر ذلك، كما أنه مسٌّ حقيقي، وأن الشيطان يتسلط على الإنسان فيؤذيه، وأن هذا يقع لعموم الناس حتى الصالحين منهم.

ومع كل هذا فقد شرع الله تعالى العلاج لمن ابتلي بشيءٍ من المس، ومن وسائل العلاج قراءة القرآن الكريم، وخاصة سورة البقرة، وخاصة آية الكرسي وخواتيمها، وكذا قراءة سورة الإخلاص والمعوذتين، وقراءة الأذكار، ومنها الأوراد والأدعية الشرعية المتعلقة بالتحصن من الشيطان، ومنها قراءة الرقية الشرعية، وللمزيد عنها راجعي الفتوى رقم ( 703) على موقعنا .والله أعلم .

 

  • والخلاصة

    مس الشيطان للإنسان ثابت بنصوص الكتاب والسنة، وبه قال علماء الإسلام، خلافاً لمن أنكر ذلك، كما أنه مسٌّ حقيقي، وأن الشيطان يتسلط على الإنسان فيؤذيه، وأن هذا يقع لعموم الناس حتى الصالحين منهم، وقد شرع الله تعالى العلاج لمن ابتلي بشيءٍ من المس، بقراءة القرآن الكريم، وخاصة سورة البقرة، وخاصة آية الكرسي وخواتيمها، وكذا قراءة سورة الإخلاص والمعوذتين، وقراءة الأذكار، ومنها الأوراد والأدعية الشرعية المتعلقة بالتحصن من الشيطان، ومنها قراءة الرقية الشرعية، والله أعلم .