عنوان الفتوى: التوبة من المجاهرة

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

 قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:" كل أمتي معافىً إلا المجاهرين "، فما كيفية التوبة من المجاهرة؟

نص الجواب

رقم الفتوى

3908

27-فبراير-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

 فاعلم حفظك الله أن الله تعالى قد أمر العبد أن يستر على نفسه لو وقع في معصية الله، فإن ستر الله مستلزم لستر المؤمن على نفسه، فمن قصد إظهار المعصية والمجاهرة بها أغضب ربه فلم يستره، ومن قصد التستر بها حياء من ربه ومن الناس مَنَّ الله عليه بستره إياه، وهذا لأن من صفات الله ونعمه إظهار الجميل وستر القبيح فالإظهار كفران لهذه النعمة وتهاون بستر الله له.

ولذا فمن عصى ربه تعالى ثم لم يكتف بارتكاب المعصية فقام يخبر الناس بما فعل، فقد ازداد سوءً على سوءٍ؛ فإنه لما عصى ربه تجرأ عليه ورفع ثوب الحياء منه، فقام يبارز ربه بمعصيته، ومع ذلك فقد أضاف إلى هذا نشره لها بين الناس، حيث يخشى من ذلك أن يقع من سمع منه في ارتكابها، فيكون بذلك جرَّ البلاء لغيره فضلاً عن نفسه، ولخطورة المجاهرة بالذنوب حُرِم المجاهر نعمة ستر الله عليه وعفوه عنه أو معافاته له.

 فقد روى البخاري في صحيحه عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:" كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلاَّ الْمُجَاهِرِينَ وَإِنَّ مِنْ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلاً ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَيَقُولَ: يَا فُلاَنُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ " . 

قال الإمام المناوي رحمه الله في فيض القدير: أي يدخل في الصباح وقد ستره الله فيقول عملت البارحة... كذا وكذا وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه بإشهار ذنبه في الملأ وذلك خيانة منه على ستر الله الذي أسدله عليه وتحريك لرغبة الشر فيمن أسمعه أو أشهده؛ فهما جنايتان!! انضمتا إلى جنايته فتغلظت به فإن انضاف إلى ذلك الترغيب للغير فيه والحمل عليه صارت جناية رابعة وتفاحش الأمر. ... "إلا المجاهرين". أي المعلنين بالمعاصي المشتهرين بإظهارها الذين كشفوا ستر الله عنهم، اهـ 

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في فتح الباري: قال ابن بطال: في الجهر بالمعصية استخفاف بحق الله ورسوله وصالحي المؤمنين، وفيه ضرب من العناد لهم، وفي الستر بها السلامة من الاستخفاف، لأن المعاصي تذل أهلها، ومن إقامة الحد عليه إن كان فيه حد ومن التعزير إن لم يوجب حدا، وإذا تمحض حق الله فهو أكرم الأكرمين ورحمته سبقت غضبه، فلذلك إذا ستره في الدنيا لم يفضحه في الآخرة، والذي يجاهر يفوته جميع ذلك .اهـ 

و مع ذلك فليس من المجاهرة بالمعصية ذهاب العاصي إلى بعض العلماء وحكايته له عما فعل ليدله على العلاج أو باب التوبة:

قال الإمام المناوي رحمه الله في فيض القدير: قال النووي: فيكره لمن ابتلي بمعصية أن يخبر غيره بها بل يقلع ويندم ويعزم أن لا يعود فإن أخبر بها شيخه أو نحوه مما يرجو بإخباره أن يعلمه مخرجا منها أو ما يسلم به من الوقوع في مثلها أو يعرفه السبب الذي أوقعه فيها أو يدعو له أو نحو ذلك فهو حسن وإنما يكره لانتفاء المصلحة.

 وقال الغزالي: الكشف المذموم إذا وقع على وجه المجاهرة والاستهزاء لا على السؤال والاستفتاء بدليل خبر من واقع امرأته في رمضان فجاء فأخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم فلم ينكر عليه.اهـ

وأما التوبة من المجاهرة فتكون بالإقلاع عنها، والعزم على عدم العود إليها، والندم على فعلها، واحتراق القلب على ما فعل، والندم توبة كما ورد في الحديث، والتوبة الصادقة تمحو الذنوب بل يبدل الله بها السيئات إلى حسنات، قال تعالى: { إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا } [ الفرقان : 70 ]، ومما ينبغي فعله عموم العمل الصالح وسائر القربات كالصدقة والذكر والاستغفار وبر الوالدين وصلة الرحم لقوله تعالى: { وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ }[ هود : 114 ]، والله الموفق.

قال الإمام النووي: قال العلماء: التوبة واجبة من كل ذنب فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدمي فلها ثلاثة شروط :أحدها: أن يقلع عن المعصية، والثاني : أن يندم على فعلها، والثالث: أن يعزم ألا يعود إليها أبداً، فإن فقد أحد الثلاثة لم تصح توبته.

وإن كانت المعصية تتعلق بآدمي فشروطها أربعة: هذه الثلاثة، وأن يستبرأ من صاحبها فإن كانت مالاً أو نحوه رده إليه وإن كانت حد قذف ونحوه مكنه منه أو طلب عفوه وإن كانت غيبة استحله منها، والله أعلم.

  • والخلاصة

     التوبة من المجاهرة تكون بالإقلاع عنها، والعزم على عدم العود إليها، والندم على فعلها، واحتراق القلب على ما فعل، والندم توبة كما ورد في الحديث، والتوبة الصادقة تمحو الذنوب بل يبدل الله بها السيئات إلى حسنات، ومما ينبغي فعله عموم العمل الصالح وسائر القربات كالصدقة والذكر والاستغفار وبر الوالدين وصلة الرحم.