عنوان الفتوى: علاج مرض الشك بين الزوجين

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

 عندي مشكلة مع زوجتي، أردت أن أتأكد من عِفَّتها فباغَتُّها إحدى المرات بدون أن تعلم، كانت في معرض الكتاب تنظر في عناوين الكتب فأتيت من خلفها وبدأت أحك بيدي في مؤخرتها بطريقة تحس بها؛ فلم تلتفت لي تنظر من خلفها يبدو أنها استحسنت الأمر، فصعقت بما جرى؛ فتركتها بدون أن أتكلم معها، فرجعت مرة أخرى ففعلت مثل ذلك، فلم تفعل شيئاً، أعدت الكَرَّة ثلاث مرات، ثم مضيت مصعوقاً ومشوشاً. ومنذ تلك المرة وأنا أكرهها، بدأت أراقبها في كل شيء فوجدتها تكذب عليَّ كثيراً حتى في صلاتها، تقول لي صلت و أنا أعلم أنها لم تصل، مع العلم أنها تعمل مدرسة في إكمالية تبعد عن المنزل/50/ كم، فإنها تركب الحافلة ، فبدأت أشك في ذهابها إلى العمل، أردت أن أمنعها من العمل فأبت، كان شرطها في الزواج أنها تعمل، فأمرتها أن تذهب إلى منزل أبيها حتى أجد حلاً، فبدأت المشاكل معها ومع أهلها، ثم واجهتها بما جرى في المعرض فأنكرت، و الآن أريد أن أطلقها، ما رأيكم؟ مع العلم أنها حامل في الشهر الرابع؟  

نص الجواب

رقم الفتوى

3904

03-مارس-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فجزاك الله خيراً أيها الأخ الكريم على سؤالك، وبارك فيك، وزادك حرصاً.

واعلم أخي السائل ـ هداك الله ـ أن البيوت لا تُدَار بهذه الطريقة، فالبيوت لا تُسَيَّرُ أبداً بالشك والاختبار، بل ينبغي أن تسبق الثقة المتبادلة بين الزوجين وتعلو على الشكوك والأوهام التي تُفسد البيوت، لقد أخذتَ بيتك وذهبتَ به بعيداً عن المعنى الذي أراده الله من الزواج وإنشاء الأسر حيث قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }الروم21 ، إلى مستنقع مُوحِلٍ من الشكوك والأوهام وسوء الظن،

نعم إذا كان الاسترسال في حسن الظن مذموم ، فإن الاسترسال في سوء الظن مذموم من باب الأولى، وكِلا الأمرين ذميم ، والواجب هو الوسطية ، وحَدُّ الاعتدال مطلوب على الجملة.

إنها لَمَّا لم تلفت إليك في معرض الكتاب إنما كان ذلك لازدحام المعرض ، وربما يتدافع الناس أحياناً أثناء الزحام ، أو يحتك بعضهم ببعض ، وهذا أمر يصعب ـ غالباً ـ على المرء الاحتراز منه ، كما أن الاعتراض يورث الفضيحة ، فلو صاحَتْ في وسط الناس لفضحتْ نفسها ،

ولكنها آثرت أن تستر على نفسها ، ولو أنها أرادت الشر لاسترسلت معك أو أعطتك نظرة أو التفتت دلالة على رضاها بذلك ، لكنها آثرت السكوت ستراً على نفسها ، فإذا لم تحصل البدايات فكيف تحكم عليها بسوء النهايات ، هذا تحكم بلا دليل ، وحتى لو لم تكن هذه الأسباب التي ذكرناه قائمة ، فينبغي أن تقدم حسن الظن بزوجتك

كما أنه يجب عليك أن تعينها على طاعة الله فتأخذ بيدها وتساعدها على أداء الصلاة ، ولا تُكَذِّبْها ، وحتى لو أخطأت فلا ينبغي محاسبتها في كل مرة على كل خطأ ، وإلا فلو تَرَصَّدَ كل زوج لزوجته التماساً لِأخطاءها لم يبق بيت متماسكٌ ، بل ينبغي للزوج أن يكون فطناً ، ومن الفطانة التغافل أحياناً عن صغائر الزلات ، وعدم تضخيم الأمور في كل مرة

وقد أمرنا الله تعالى بحسن معاشرة النساء فقال تعالى { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً }النساء19 

كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحسن معاشرتهن ، وعدم إطلاق البغض لهن ، فحيث رأى من زوجته ما يسوءه في جانبٍ ما ، رأى ما يسره منها في جوانب أخرى ، فقد روى مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ)

قال الإمام النووي رحمه الله في شرحه على صحيح مسلم : يَنْبَغِي أَنْ لَا يُبْغِضهَا ، لِأَنَّهُ إِنْ وَجَدَ فِيهَا خُلُقًا يُكْرَه وَجَدَ فِيهَا خُلُقًا مَرْضِيًّا بِأَنْ تَكُون شَرِسَة الْخُلُق لَكِنَّهَا دَيِّنَة أَوْ جَمِيلَة أَوْ عَفِيفَة أَوْ رَفِيقَة بِهِ أَوْ نَحْو ذَلِكَ.اهـ

ثمَّ ما ذنب هذا الجنين أن يكون ضحية شكوكِكَ وأوهامك التي بنيت على غير يقين، حتى يُولد في بيئة مصبوغة بالفُرقة والبعد بدلاً من المحبة والألفة والمودة ودفء الأبوين

أخي السائل الكريم : عُدْ إلى صوابك ورشدك وأرجع زوجتك إلى بيتك، وخذ بيدها إلى طاعة الله ، فأنت مؤتمن عليها وعلى بيتك وعلى جنينها ، الذي سيكون ولدك ـ إن شاء الله ـ وادفع هذه الشكوك والأوهام بالاستعاذة بالله منها ومن شر الشيطان 

نسأل الله تعالى أن يلهمك رشدك وأن يُعيدك إلى صوابك ، وأن يجمع بينك وبين زوجتك على خيرٍ ، والله الموفق .

 

  • والخلاصة

    البيوت لا تُسَيَّرُ أبداً بالشك والاختبار ، بل ينبغي أن تسبق الثقة المتبادلة بين الزوجين وتعلو على الشكوك والأوهام التي تُفسد البيوت،

    ولعلَّ زوجتك لم تلتفت لأنها آثرن الستر على نفسها ، وحتى لو لم تكن هذه الأسباب التي ذكرناها قائمة ، فينبغي أن تقدم حسن الظن بزوجتك ، وننصحك أن تعُود إلى صوابك ورشدك وأرجع زوجتك إلى بيتك،

    وخذ بيدها إلى طاعة الله ، فأنت مؤتمن عليها وعلى بيتك وعلى جنينها ، الذي سيكون ولدك ـ إن شاء الله ـ وادفع هذه الشكوك والأوهام بالاستعاذة بالله منها ومن شر الشيطان، والله الموفق .