عنوان الفتوى: هل يجوز شرعاً أن يزال المبيض للضرورة

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

أنعم الله عليَّ بطفلة تبلغ االحين 10 سنوات، و لكنها و لله الحمد معاقة منذ الولادة تم تشخيص الحالة بالشلل الدماغي و تعاني من نوبات صرع عنيفة، لا تمشي و لا تتكلم و لا تعتمد على نفسها في أي شيء من قضاء الحاجات بدأت ألاحظ عليها بوادر البلوغ و أنا امرأة عاملة و خائفة عليها جداً من مشاكل كثيرة تصاحب فترة البلوغ والحيض من كل الجوانب، سؤالي: هل يجوز شرعاً أن يزال عنها المبيض حتى لا تأتي الدورة الشهرية أو تعاني من اضطرابات جنسية أرجو التكرم بالرد على سؤالي جزاكم الله كل خير و الحمد لله على نعمته؟

نص الجواب

رقم الفتوى

3844

03-مارس-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

 فنشكرك أختي السائلة على السؤال ونتمنى لهذه الطفلة الخير والتوفيق، والشفاء العاجل، وأن يلهمك الصبر عليها وتحمُّل الخدمة والمصاعب التي تواجهيها من أجلها ونرجو أن تكون سبباً في دخولك الجنة آمين.

اعلمي أختي السائلة أن الكلام على سؤالك سيكون من جانبين:

الجانب الأول: عن حكم إعقام الإنسان ذكراً كان أو أنثى. والجانب الثاني: هل يجوز الإعقام عند الضرورة أو وجود مصلحة راجحة.

فالجانب الأول: حكم إعقام الإنسان ذكراً كان أو أنثى:

إعلمي أن الله سبحانه وتعالى خلق الذكر والأنثى، وجعل لكل منهما خصائص من أجل التناسل والتعاون على عمارة الأرض، وتعقيم واحد منهما معناه: جعل الرجل أو المرأة عقيماً لا يلد ولا يولد له، ويتم ذلك بوسائل متعددة، كان منها فى الزمن القديم سل الخصيتين من الرجل، وفي الزمن الحديث ربط الحبل المنوي، أو جراحة أو إعطاء دواء يمنع إفراز الحيوانات المنوية أو يبطل مفعولها، واستعقام المرأة يكون بتعطيل المبيضين بجراحة أو دواء يمنع إفراز البويضات، أو بسد قناة فالوب، أو استئصال الرحم أو غير ذلك من الوسائل الطبية الأخرى.

وإذا جاز من الناحية الصحية أو غيرها تأجيل الحمل لمدة معينة، مع بقاء الاستعداد للقدرة على الإنجاب عندما تتاح الفرصة، فإنه لا يجوز مطلقاً تعطيل الجهازين تعطيلاً كاملاً عن أداء وظيفتهما، إلا إذا دعت إلى ذلك ضرورة قصوى أو كانت هناك مصلحة راجحة تعود إلى ذلك الشخص.

واستعقام واستئصال المبايض للفتاة دون مصلحة شرعية راجحة حرام، وفيها مضاددة للطبيعية الكونية، كحكم الخصاء للرجل، وقد قرر المختصون أن عملية الحمل ضرورية لتوازن الحيوية فى المرأة، والوقوف ضدها عناد للطبيعة،

وبهذا يكون ربط المبايض أو استئصاله من غير سبب أو مصلحة راجحة حراماً كما قاله جمهور الفقهاء (كالمالكية والشافعية والحنابلة).

فقد ذكر الإمام النفراوي في الفواكه الدواني: ( وَأَمَّا لَوْ اسْتَعْمَلَتْ دَوَاءً لِقَطْعِهِ أَصْلًا فَلَا يَجُوزُ لَهَا حَيْثُ كَانَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ قَطْعُ النَّسْلِ كَمَا لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ اسْتِعْمَالُ مَا يَقْطَعُ نَسْلَهُ أَوْ يُقَلِّلَهُ).

وجاء في شرح البهجة الوردية: ( قَوْلُهُ: يُكْرَهُ أَنْ يَحْتَالَ.. هُوَ حَرَامٌ إنْ قَطَعَ النَّسْلَ وَمَكْرُوهٌ إنْ فَتَرَ الشَّهْوَةَ وَقَطَعَ الْحَبَلَ مِنْ الْمَرْأَةِ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ).

وقال صاحب الإنصاف للمرداوي رحمه الله: (يَجُوزُ شُرْبُ دَوَاءٍ مُبَاحٍ لِقَطْعِ الْحَيْضِ مُطْلَقًا .مَعَ أَمْنِ الضَّرَرِ ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ ، نُصَّ عَلَيْهِ ، وَقَالَ الْقَاضِي : لَا يُبَاحُ إلَّا بِإِذْنِ الزَّوْجِ .

ومن جميع ما تقدم أنه لا يجوز الإقدام على استئصال الرحم إلا عند الضرورة القصوى أو المصلحة الراجحة كما قدمنا آنفا، والضرورة تقدر بقدرها لحكمة خلق الله هذين النوعين الذكر والأنثى  مع ما ينتج عنه من فقد كل من الرجل أو المرأة بعض الخصائص المميزة لهما فى الصوت والشعور والإحساس وتأثير ذلك على السلوك الاجتماعي ولو إلى حد ما .

ومن هنا نهى الإسلام عن خصاء الرجل لما في حديث البخاري عن أبى هريرة رضي الله عنه حيث سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يرخص له في الخصاء لعدم وجود ما يتزوج به وهو شاب يخاف على نفسه الوقوع في الإثم.

وكما في حديث أحمد في النهي عنه للغزاة الذين ليس معهم زوجاتهم، وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم لرجل استأذنه في الخصاء:"خصاء أمتي الصيام والقيام ". رواه أحمد والطبراني.

وجاء في كتاب نهاية المحتاج للرملي رحمه الله : (أَمَّا اسْتِعْمَالُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ دَوَاءً لِمَنْعِ الْحَبَلِ فَقَدْ سُئِلَ عَنْهَا الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فَقَالَ: لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ ذَلِكَ وَظَاهِرُهُ التَّحْرِيمُ، وَ بِهِ أَفْتَى الْعِمَادُ بْنُ يُونُسَ، فَسُئِلَ عَمَّا إذَا تَرَاضَى الزَّوْجَانِ الْحُرَّانِ عَلَى تَرْكِ الْحَبَلِ هَلْ يَجُوزُ التَّدَاوِي لِمَنْعِهِ بَعْدَ طُهْرِ الْحَيْضِ .أَجَابَ لَا يَجُوزُ اهـ .).

الجانب الثاني: هل يجوز الاستعقام عند الضرورة أو وجود مصلحة راجحة؟

 فإذا خيف على المرأة ضرر محقق ربما يأتي على نفسها أو وجود مشقة عظيمة لا تحتمل عادة وعرفاً، وبناء على ما ذكرتيه أختي السائلة من أنك تعانين مشقة عظيمة في خدمتها وتخافين على البنت لكونها عاجزة ومقعدة وتعاني من أمور خلقية وأنها ستكلف أهلها فوق طاقتهم في رعايتها المعتادة، أو ربما تتعرض لاعتداء عليها فتحمل فتقع في ضرر زائد، ولا تزول هذه المشقة،

 ولا ترتفع هذه الضرورة إلا باستئصال الرحم أو ربطه الذي يؤدي إلى منع الإنجاب مؤقتا أو نهائيا، ففي هذه الحالة نري أن ربط الرحم أولى وأخف من أن تجري لها هذه العملية الجراحية التي تؤدي إلى عقمها بالكلية ، لأن الشفاء متوقع بإذن الله تعالى،

ولعل هذا الربط يخفف عنها بعض هذه المعاناة، ويخفف العبء على من يقوم على شأنها، بالإضافة إلى أنه لا يتصور أنها ستتزوج مستقبلاً، أو تكون أماً لظروفها الخلقية الحالية وقواعد الشريعة تنص على أن المشقة تجلب التيسير وأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وأن الضرورات تبيح المحظورات، وكل هذا مشروط بعدم حصول ضرر أو مفسدة من قبل الجهات الطبية المختصة التي ستجري العملية. والله أعلم.

 

  • والخلاصة

    بناء على ما ذكرتيه أختي السائلة من أنك تعانين مشقة عظيمة في خدمتها وتخافين على البنت لكونها عاجزة ومقعدة وتعاني من أمور خلقية، أو ربما تتعرض لاعتداء عليها فتحمل فتقع في ضرر زائد، ولا تزول هذه المشقة إلا باستئصال الرحم أو ربطه الذي يؤدي إلى ما يمنع الإنجاب مؤقتا، أو بصفة نهائية، ففي هذه الحالة نرى تقديم الربط للرحم على الاستئصال بالكلية، لأن الشفاء متوقع بإذن الله تعالى.

     ولعل هذا يخفف عنها بعض هذه المعاناة، ويخفف العبء عمن يقوم على شأنها، وقواعد الشريعة تنص على أن (المشقة تجلب التيسير) و(أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح)و(أن الضرورات تبيح المحظورات)، وكل هذا مشروط بعدم حصول ضرر أو مفسدة من قبل الجهة الطبية المختصة التي ستجري العملية.