عنوان الفتوى: تعليم الأولاد العقيدة والإجابة عن أسئلتهم

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

دخلت مرحلة جديدة من مراحل الأبوة، إذ بدأ ابني ذو الست سنوات يسأل أسئلة يصعب علي إجابتها بما يناسب سنه ومرحلته، فمثلاً: سألني يوماً هل خلق الله نفسه؟ والواضح أنَّ هذا سؤال لا يجاب بالنفي أو بالإيجاب، فالإجابة بالإيجاب ستؤدي للسؤال عن الكيفية، والإجابة بالنفي ستؤدي للسؤال عن من خلقه (آمنت بالله ورسوله)، والواجب علي أن أجيب إجابة صحيحة بما يناسب عقله وإدراكه ولا تكون سبباً في إشكال مستقبلي فما رأيكم؟  

نص الجواب

رقم الفتوى

37765

12-فبراير-2014

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فبارك الله بك أخي السائل، واعلم أن أبنك ليس أول من طرح على والده هذا السؤال؛ وأنك لست أول من طُرح عليه هذا السؤال، بل لقد طرح السؤال الأبناء على الآباء كثيراً على مرِّ العصور، لذا فإن سؤالك مهم، و إن تعليم العقيدة للأولاد في الصغر مطلوب وله أسلوب خاص، وانظر إلى ذلك في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما عندما كان عبد الله غلاماً صغيراً؛ فقد روى الترمذي وقال: حديث حسن صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فقال: "يا غلام إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك؛ احفظ الله تجده تجاهك؛ إذا سألت فاسأل الله؛ وإذا استعنت فاستعن بالله؛ واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك؛ ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك؛ رفعت الأقلام وجفت الصحف".

والجواب على سؤال ولدك ليس صعباً بل هو سهل، فأجب وفق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم السابق وعلى النحو التالي:

  1. أجبه بسورة الإخلاص فهي خير ماتجيبه به أولاً، وهي بسم الله الرحمن الرحيم: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)، ففيها لم يلد ولم يولد،}، ثم فسرها له بما يناسب عمره.

  2. ثم اذكر له  حديث ابن عباس السابق وكيف علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم العقيدة.

  3. ثم خذ بيده إلى التفكر في المخلوقات، وعلمه مراقبة الله تعالى، وأنه مطلع علينا وعلى تصرفاتنا، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك".

  4. ثم ناقش عقله فقل له: هل تعرف السيارة؟ سيقول لك: نعم، قل له: هل يمكن أن يكون مَن صنع السيارة مصنوعاً مثل السيارة أم هو غير مصنوع ويختلف عنها؟ فإن قال لك: هو غير السيارة ويختلف عنها، فقل له: كذلك الله -وله المثل الأعلى- خالق الخلق فلا يصح أن يكون مخلوقاً أو يشبه المخلوق في حاجته إلى خالق، ثم قل له: بذلك أخبرنا الله تعالى فقال جلَّ شأنه:{ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى:11]، فخذ بيده إلى التفكر في المخلوقات التي خلقها الله تعالى، وأنها دالة على هذا الخلق وعظمته وقدرته، ولا مانع من الزيادة عليه إن استوعب وتفهم ورأيت منه تفاعلاً معك، فتذكر له قول الله تعالى:{وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم} [الروم: 27]، ولا مانع أن تعرف أنت ما قال العلامة النسفي رحمه الله في تفسيره مدارك التنزيل: ({وله المثل الأعلى فى السماوات والأرض} أي الوصف الأعلى الذي ليس لغيره ... ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما المثل الأعلى: "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير"، وعن مجاهد هو قول: "لا إله إلا الله"، ومعناه وله الوصف الأرفع الذي هو الوصف بالوحدانية).

  5. ثم حفظه أركان الإسلام والإيمان واشرحهما له شرحا مبسطاً، أي: فقه بالعقيدة من خلال حديث جبريل عليه السلام، والذي في صحيح مسلم الذي جاء فيه ذكر الإسلام والإيمان والإحسان، وعرِّفه بمعنى الإيمان كما قال العلامة ابن دقيق العيد في شرح الأربعين النووية: (الإيمان بالله: هو التصديق بأنه سبحانه موجود موصوف بصفات الجلال والكمال منزه عن صفات النقص وأنه واحد حق صمد فرد خالق جميع المخلوقات متصرف فيما يشاء يفعل في ملكه ما يريد).

  6. ولا مانع عندما يكبر أن تزيده بما قال الإمام الطحاوي رحمه الله في عقيدته المشهورة: "لا تبلغه الأوهام ولا تدركه الأفهام ولا يشبه الأنام".

  7. ثم أخبره عندما يكبر أيضاً إذا عرض له هذا السؤال مرة أخرى بأن السؤال إيجابي وليس سلبياً، وعلاجه الإعراض عن التفكير بذلك بعد الاستعاذة، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم، قال: "ذاك صريح الإيمان"، قال الإمام النووي رحمه الله في شرحه لصحيح مسلم: (ذلك صريح الإيمان، ومحض الإيمان، معناه استعظامكم الكلام به هو صريح الإيمان، فإن استعظام هذا وشدة الخوف منه ومن النطق به فضلاً عن اعتقاده إنما يكون لمن استكمل الإيمان استكمالاً محققاً وانتفت عنه الريبة والشكوك ... وقيل: معناه أن الشيطان إنما يوسوس لمن أيس من إغوائه فينكد عليه بالوسوسة لعجزه عن إغوائه)، وراعِ في ذلك عدم الإسهاب وعدم فتح المجال للتفكر بالذات الإلهية؛ لأن المطلوب في تعليم الأولاد مبادئ العقيدة العرض بشكل ميسر يتناسب مع العمر، وإنما أسهبنا في الإجابة لتأخذ منها ما تراه مناسباً لولدك. وفقك الله تعالى، والله تعالى أعلم.

  • والخلاصة

    خذ بيده إلى التفكر في المخلوقات وعلمه مراقبة الله تعالى وأنه مطلع علينا وعلى تصرفاتنا، ثم ناقش عقله بما يدرك، والله تعالى أعلم.