عنوان الفتوى: حدود طاعة البنت لأمها

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

أنا امرأة متزوجة وعندي أطفال، كيف يمكن أن أتخلص من تدخل أمي في حياتي الزوجية؛ مثلاً عندما تطلب مني إعطاء أخي مبلغاً من المال بدون علم زوجي بحجة أن ما يعطيني زوجي من نفقة يجب أن يكون فيه جزء مخصص لي و أن لا يعلم زوجي أين النفقة، إضافة إلى أسئلتها عن أمور أخرى لا تخصها فى حياتي الزوجية؟

نص الجواب

رقم الفتوى

3758

15-فبراير-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فنشكرك أختي السائلة على سؤالك، ونتمنى لك حياة طيبة، والتوفيق والرشاد، وبلوغ المراد بطاعة الله سبحانه؛ وطاعة نبيه عليه الصلاة والسلام.

سنتكلم على السؤال من ثلاثة جوانب الجانب الأول: طاعة الوالدين وضابطهما، والجانب الثاني: تصرف الزوجة في مال زوجها، والجانب الثالث: الحكم عليها في تصرفاتها.

الجانب الأول: طاعة الوالدين وضابطهما

اعلمي أختي السائلة أن الله تعالى أمر بطاعة الوالدين والبر والإحسان إليهما، و إدخال السرور على قلبيهما، والابتعاد عن كل ما يؤذيهما، وقد ذكر العلماء ضوابط في تحديد وبيان مقدار العقوق الحاصلة من الولد لوالديه وحاصلها أربعة:

الأول: أن يكون في غير معصية لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق". رواه أحمد وغيره وصححه السيوطي.

الثاني: أن يكون لهما غرض صحيح من الأمر بترك المندوب والمباح أو الأمر بمقارفة المكروه.

الثالث: أن لا يكون في ذلك ضرر على الولد فيما أمراه به، وقد نص على هذا طائفة من أهل العلم.

الرابعة: أن لا يكون بالمخالفة ضرر ليس بالهين على الوالدين وضبطه العلامة ابن حجر رحمه الله: (ومحله أيضاً حيث لم يقطع كل عاقل بأن ذلك من الأب مجرد حمق وقلة عقل)

قال العلامة الشيخ أحمد ابن حجر الهيتمي رحمه الله: (...وحيث نشأ أمر الوالد أو نهيه عن مجرد الحمق لم يلتفت إليه أخذاً مما ذكره الأئمة في أمره لولده بطلاق زوجته، وكذا يقال في إرادة الولد لنحو الزهد ومنع الوالد له أن ذلك إن كان لمجرد شفقة الأبوة فهو حمق وغباوة فلا يلتفت له الولد في ذلك، وأمره لولده بفعل مباح لا مشقة على الولد فيه يتعين على الولد امتثال أمره إن تأذى أذى ليس بالهين إن لم يمتثل أمره ومحله أيضاً حيث لم يقطع كل عاقل بأن ذلك من الأب مجرد حمق وقلة عقل لأني أقيد حل بعض المتأخرين للعقوق بأن يفعل مع والده ما يتأذى به إيذاء ليس بالهين بما إذا كان قد يعذر عرفاً بتأذيه به أما إذا كان تأذيه به لا يعذره أحد به لإطباقهم على أنه إنما نشأ عن سوء خلق وحدة حمق وقلة عقل فلا أثر لذلك التأذي وإلا لوجب طلاق زوجته لو أمره به ولم يقولوا به).

وقد نبه أيضاً الإمام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم على ذلك: (وَأَمَّا حَقِيقَة الْعُقُوق الْمُحَرَّم شَرْعًا فَقَلَّ مَنْ ضَبَطَهُ. وَقَدْ قَالَ الشَّيْخ الْإِمَام أَبُو مُحَمَّد بْن عَبْد السَّلَام رَحِمَهُ اللَّه: لَمْ أَقِف فِي عُقُوق الْوَالِدَيْنِ وَفِيمَا يَخْتَصَّانِ بِهِ مِنْ الْحُقُوق عَلَى ضَابِطٍ أَعْتَمِدهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَجِب طَاعَتهمَا فِي كُلّ مَا يَأْمُرَانِ بِهِ ، وَيَنْهَيَانِ عَنْهُ، بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاء.

الجانب الثاني : تصرف المرأة في مال زوجها 

فإن ما تتبرع به الزوجة من مال زوجها إن كان يسيراً، وتعلم منه ولو بالإذن العام أنه يأذن لها، يجوز لها ذلك، ولها أجر الصدقة، وله الأجر كذلك، أما هو فلأنه صاحب المال، وأما هي فلأنها السبب في هذا الخير، وقد روى الترمذي عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ :أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ يَسْتَحْمِلُهُ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ مَا يَتَحَمَّلُهُ فَدَلَّهُ عَلَى آخَرَ فَحَمَلَهُ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ:"إِنَّ الدَّالَّ عَلَى الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ".

وقد نص على مثل ذلك العلامة ابن بطال المالكي في شرحه للبخاري عند كلامه على حديثه صلى الله عليه وسلم:"لا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلا بِإِذْنِهِ، وَلا تَأْذَنَ فِى بَيْتِهِ إِلا بِإِذْنِهِ، وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ نَفَقَةٍ عَنْ غَيْرِ أَمْرِهِ، فَإِنَّهُ يُؤَدَّى إِلَيْهِ شَطْرُهُ "...أن هذا الحديث إنما ورد فى المرأة إذا تصدقت من مال زوجها بغير إذنه بالمعروف مما تعلم أنه يسمح به ولا يتشاح به .. يعنى يتأدى إليه من أجر الصدقة مثل ما يتأدى إلى المتصدق من الأجر، ويصيران فى الأجر نصفين، ويشهد لهذا قوله عليه السلام:" الدال على الخير كفاعله"، وهذا يقتضى المساواة.)

قال الإمام الكاساني رحمه الله في البدائع:( ملكت المرأة التصدق بشيء يسير كالرغيف ونحوه من مال زوجها لكونها مأذونة في ذلك دلالة)، أما المال الكثير فلا بد فيه من إذن الزوج بشكل خاص ولا يكفي الإذن العام.

الجانب الثالث: الحكم عليها في تصرفاتها

فإن كان تصرف المرأة في مال زوجها بغير إذنه فإن هذا حرام ولا يجوز لها حينئذ أن تطيع والدتها في ذلك، وإن تصرفت في أموالها الشخصية، وكان هذا التصرف يضر بها ضرراً بينا فلا يجب عليها أيضاً طاعة والدتها في ذلك، وإن كان هذا التصرف يسيراً ولا علاقة له في مال زوجها فتغليب طاعة الأم أولى لوجوب برها والإحسان إليها عموماً، وإن كان تدخلها في شؤونك لا يُقرُّه عاقل وفطن فلا تضرُّ فيه المخالفة لها، وإن كان هذا التدخل منها من باب النصيحة والتوجيه ولا ينكره عاقل وفطن فيجب عليك طاعة أمك وليس هذا من باب التدخل بل هو من باب النظر في مصالح البنت وتوجيهها، بل هذا مطلوب لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: " الدين النصيحة". والله أعلم

  • والخلاصة

    إن كان تصرف المرأة في مال زوجها بغير إذنه فإن هذا حرام ولا يجوز لها حينئذ أن تطيع والدتها في ذلك، وإن تصرفت في أموالها الشخصية، وكان هذا التصرف يضر بها ضرراً بينا فلا يجب عليها أيضاً طاعة والدتها في ذلك، وإن كان هذا التصرف أمراً يسيراً ولا علاقة له في مال زوجها فتغليب طاعة الأم أولى لوجوب برها والإحسان إليها عموما, وإن كان تدخلها في شؤونك لا يقره عاقل وفطن فلا تضر فيه المخالفة لها، وإن كان هذا التدخل منها من باب النصيحة والتوجيه ولا ينكره عاقل فيجب عليك طاعة أمك وليس هذا من باب التدخل بل هو من باب النظر في مصالح البنت وتوجيهها، بل هذا مطلوب لعموم قوله صلى الله عليه وسلم:" الدين النصيحة".