عنوان الفتوى: عقوق الوالدين

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

تركت بيتي الذي كنت أسكن فيه مع والدي ووالدتي وإخوتي المتزوجين بسبب المشاكل المتكررة بين زوجتي وزوجات إخواني، وسكنت لوحدي في بيت مع أهلي وأبنائي ووالداي غير راضيين على السكن لوحدي، علماً بأني أزورهم وأتفقد أحوالهم وأصرف عليهم؛ ولكن السؤال: هل أنا عاق لوالداي لأني سكنت لوحدي من غير رضاهم؟

نص الجواب

رقم الفتوى

3707

11-فبراير-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فنشكرك أخي السائل على سؤالك، ونتمنى لك التوفيق والعناية والوقوف على الحق في كل ما تطلب، واعلم أخي السائل أن الله تعالى أمر بطاعة الوالدين والبر والإحسان إليهما، وإدخال السرور على قلوبهما، والابتعاد عن كل ما يؤذيهما، وقد ذكر العلماء ضوابط في تحديد وبيان مقدار العقوق الحاصلة من الولد لوالديه وحاصلها أربعة:

الأول: أن يكون في غير معصية لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق". رواه  أحمد  وغيره وصححه  السيوطي.

الثاني: أن يكون لهما غرض صحيح من الأمر بترك المندوب والمباح أو الأمر بمقارفة المكروه.

الثالث: أن لا يكون في ذلك ضرر على الولد فيما أمراه به، وقد نص على هذا طائفة من أهل العلم.

الرابعة: أن لا يكون بالمخالفة ضرر ليس بالهين على الوالدين، وقيده العلامة ابن حجر رحمه الله فقال: (ومحله أيضاً حيث لم يقطع كل عاقل بأن ذلك من الأب مجرد حمق وقلة عقل). وقال أيضاً: (... وحيث نشأ أمر الوالد أو نهيه عن مجرد الحمق لم يلتفت إليه؛ أخذاً مما ذكره الأئمة في أمره لولده بطلاق زوجته، وكذا يقال في إرادة الولد لنحو الزهد ومنع الوالد له؛ أن ذلك إن كان لمجرد شفقة الأبوة فهو حمق وغباوة فلا يلتفت له الولد في ذلك، وأمره لولده بفعل مباح لا مشقة على الولد فيه يتعين على الولد امتثال أمره إن تأذى أذى ليس بالهين إن لم يمتثل أمره، ومحله أيضاً حيث لم يقطع كل عاقل بأن ذلك من الأب مجرد حمق وقلة عقل، لأني أقيد حل بعض المتأخرين للعقوق بأن يفعل مع والده ما يتأذى به إيذاء ليس بالهين بما إذا كان قد يعذر عرفاً بتأذيه به، أما إذا كان تأذيه به لا يعذره أحدٌ به لإطباقهم على أنه إنما نشأ عن سوء خلق وحدة حمق وقلة عقل؛ فلا أثر لذلك التأذي وإلا لوجب طلاق زوجته لو أمره به ولم يقولوا به).

وقد نبه أيضاً الإمام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم على ذلك فقال:(وَأَمَّا حَقِيقَة الْعُقُوق الْمُحَرَّم شَرْعًا فَقَلَّ مَنْ ضَبَطَهُ. وَقَدْ قَالَ الشَّيْخ الْإِمَام أَبُو مُحَمَّد بْن عَبْد السَّلَام رَحِمَهُ اللَّه: لَمْ أَقِف فِي عُقُوق الْوَالِدَيْنِ وَفِيمَا يَخْتَصَّانِ بِهِ مِنْ الْحُقُوق عَلَى ضَابِطٍ أَعْتَمِدهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَجِب طَاعَتهمَا فِي كُلّ مَا يَأْمُرَانِ بِهِ، وَيَنْهَيَانِ عَنْهُ، بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاء. قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح رَحِمَهُ اللَّه فِي فَتَاوِيه: الْعُقُوق الْمُحَرَّم كُلّ فِعْل يَتَأَذَّى بِهِ الْوَالِد أَوْ نَحْوه تَأَذِّيًا لَيْسَ بِالْهَيِّنِ مَعَ كَوْنِهِ لَيْسَ مِنْ الْأَفْعَال الْوَاجِبَة، قَالَ : وَرُبَّمَا قِيلَ طَاعَة الْوَالِدَيْنِ وَاجِبَة فِي كُلّ مَا لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ . وَمُخَالَفَة أَمْرهمَا فِي ذَلِكَ عُقُوق. وَقَدْ أَوْجَبَ كَثِير مِنْ الْعُلَمَاء طَاعَتهمَا فِي الشُّبُهَات . قَالَ: وَلَيْسَ قَوْل مَنْ قَالَ مِنْ عُلَمَائِنَا : يَجُوز لَهُ السَّفَر فِي طَلَب الْعِلْم ، وَفِي التِّجَارَة بِغَيْرِ إِذْنهمَا مُخَالِفًا لِمَا ذَكَرْته، َإِنَّ هَذَا كَلَامٌ مُطْلَق ، وَفِيمَا ذَكَرْته بَيَانٌ لِتَقْيِيدِ ذَلِكَ الْمُطْلَق).أهـ

واختار تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى أن العقوق يحصل بمجرد الأذى ولا يشترط أن يكون أذى ليس هيناً فقال: "والوالدان يحرم إيذاؤهما هيناً كان الأذى أو ليس بهين، خلافاً لمن شرط في تحريم الأذى أن يكون ليس بالهين، فأقول: يحرم إيذاؤهما مطلقاً، إلا أن يكون إيذاؤهما بما هو حق واجب لله، فحق الله أولى".

والواضح من هذه النصوص التي ذكرت: أن خروجك من البيت القديم والسكنى ببيت مستقل للابتعاد عن المشاكل العائلية أو الوقوع في قطيعة الرحم بينك وبين اخوانك أمر مطلوب شرعاً ولا ينكره عليك منصف وبالتالي يظهر لنا أن أمر والديك بعدم خروجك من البيت السابق هو طلب في غير محله وخصوصا ًمع هذه المشاكل، وهذا لا يوافق عليه المنصفون وليس فيه معصية إن شاء الله تعالى، مع وصيتنا لك بالعمل على برهما والإحسان إليهما وخدمتها وكثرة زيارتهما وتقديم ما يحتاجان إليه من مال أو خدمة قدر الإمكان. والله أعلم

  • والخلاصة

    خروجك من البيت القديم والسكنى ببيت مستقل للابتعاد عن المشاكل العائلية أو الوقوع في قطيعة الرحم بينك وبين اخوانك أمر مطلوب شرعاً ولا ينكره عليك أيُّ عاقل، وبالتالي يظهر لنا أن أمر والديك بعدم خروجك من البيت السابق هو طلب في غير محله، وخصوصاً مع هذه المشاكل، وهذا لا يوافق عليه كل عاقل وواعٍ و ليس فيه معصية إن شاء الله تعالى، مع وصيتنا لك بالعمل على برِّهما والإحسان إليهما وخدمتها وكثرة زيارتهما. والله أعلم