عنوان الفتوى: هل التوجه إلى الكعبة في العبادة وثنية

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

ما الفرق بين توجهنا في العبادة كالصلاة الى الكعبة وتوجه الكفار الى الأصنام بالفرض، لو قال الكافر أنتم تعبدون الكعبة وهي مصنوعة من الأسمنت والأحجار ونحن أيضاً نعبد الأصنام فقط صنمكم واحد ولنا كثيرة؛ بينوا الجواب نقلا وعقلا؟

نص الجواب

رقم الفتوى

3698

08-فبراير-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

 فنشكرك أخي السائل على هذا السؤال، ونتمنى لك التوفيق والسداد، والهداية والرشاد.

واقرأ قول الله تعالى:{ قُل لّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ}.[البقرة142] تجد أن الجهات كلها ملك لله تعالى فلا يستحق شيء منها لذاته أن يكون قبلة، بل إنما تصير قبلة لأن الله تعالى جعلها كذلك، وأمر باستقبالها، والاستقبال هنا لتوحيد الوجهة لا لكونه معظماً لذاته أوأنه يستحق العبادة دون الله عز وجل، بل لمجرد أمر الله تعالى باستقبالها، وأيضا لأن الجهات من حيث هي في مستوى واحد فقط،، وطاعة الله سبحانه في امتثال أوامره واجتناب نواهيه واجبة شرعاً، هذا هو المقرر في شرعنا الشريف.

وإذا كان الأمر كذلك فلا اعتراض عليه بالتحويل أيضا من جهة إلى أخرى، فالذي أمر في استقبال القبلة الأولى كبيت المقدس هو الذي أمر في استقبال القبلة في الثانية كالكعبة، والذي عُبِدَ في الأولى هو الذي عُبِدَ في الثانية وهو الله عز وجل، لا من حيث النظر الى ذات المتجه إليه أصالة، فإنه في الحقيقة لا يستحق شيئاً من معاني العبودية والتذلل والافتقار، بل الأشياء كلها مفتقرة الى الله عز وجل، وإنما نعظمها من حيث إن الله تعالى عظمها وأمر باستقبالها فقط لا غير.

والشخص حين يُقَبِّل الحجر الأسود في الكعبة المشرفة إنما يقبله امتثالاً لأمر الله تعالى، ولما تحمله هذه الكعبة من المعاني التي تذكر المسلم بعبادة الله تعالى، والابن حين يقبل يد والده لا يكون بذلك قد عبد والده، فإن قيل إن الحجر الأسود جمادٌ، قلنا: إن الأم إذا طال غياب ولدها قبَّلَتْ صورته وشمَّت ثيابه لما تحمله هذه الصورة من التذكير بعزيز.

ثم إن العبادة ناتجة عن معرفة أفضلية المعبود على العابد فلا يمكن أن يعتقد الإنسان أنه أفضل من شيء ثم يعبد ذلك الشيء، ونحن نعتقد أن كل مسلم أفضل من الحجر والكعبة، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الذي رواه ابن ماجه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:" رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ وَيَقُولُ مَا أَطْيَبَكِ وَأَطْيَبَ رِيحَكِ مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ حُرْمَةً مِنْكِ مَالِهِ وَدَمِهِ وَأَنْ نَظُنَّ بِهِ إِلَّا خَيْرًا" .

 فالمسلم أفضل من الحجر والكعبة.وحين يقدس المسلم ما أذن الله تعالى بتقديسه يكون ممتثلاً أمر الله سبحانه وتعالى، وله في ذلك الأجر العظيم، وأما الأصنام فلم يأذن الله سبحانه وتعالى بتقديسها، ثم إن المشركين لم يقفوا عند حد التقديس لتلك التماثيل بل كانوا يجعلونها أنداداً لله، فتوجهوا لها بالعبادة، قال تعالى: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر3]. فهم لم ينفوا عبادتهم لها، وإنما عللوا هذه العبادة بأن القصد منها الشفاعة عند الله.

 فإن قيل ما الحكمة أولاً في تعيين القبلة ؟

قلنا: إنه لا يجب علينا عقلاً ولا شرعاً تعليل أحكام الله تعالى البتة، لكن الحكمة جائزة سواء تعرف عليها المكلف أم لم يتعرف عليها، فإن تعرف عليها فهذا من فضل الله تعالى وهدايته لعبده وإلا فأفعال الله تعالى مصونة عن العبث قال الله تعالى: { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق}[المؤمنو115]. وأنه لا يجوز تعليل أفعال الله وأحكامه بالدواعي والأغراض لأنه محال عقلاً وشرعاً، وإذا كان الأمر كذلك كانت فاعليته بمحض الإلهية والقدرة والنفاذ والاستيلاء، وهذا هو الذي دل عليه صريح قوله تعالى{ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} [الأنبياء23].

وأما عباد الأصنام فقد استقبلوها معتقدين عبوديتها وتأثيرها ونفعها دون الله عز وجل، وأنها تقربهم الى الله تعالى زلفى حسب منطوق قول الله تعالى عن المشركين: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ (2) أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (3) لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاَّصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاء سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)[الزمر2-3] صدق الله العظيم.

       ومن نظر هذه الآيات المباركات واطلع على كتب أهل التفسير يجد أن الله تعالى رد عليهم في قولهم عن الأصنام وعبادتها كما قال الامام القرطبي في تفسيره رحمه الله في قوله تعالى : { انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ }[الأنعام24] كذب المشركين قولُهم: إن عبادة الأصنام تُقرِّبنا إلى الله زُلْفَى، بل ظَنُّوا ذلك وظَنُّهُمْ الخطأ لا يُعذِرهم ولا يزيل اسم الكذب عنهم، وكذب المنافقين باعتذارهم بالباطل، وجحدهم نفاقهم { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ }[الأنعام24] أي فانظر كيف ضلّ عنهم افتراؤهم أي تَلاَشى وبطل ما كانوا يظنونه من شفاعة آلهتهم ).

وقال في موطن آخر من تفسيره رحمه الله تعالى: ( والقوم اعتقدوا أن الأصنام تقرّبهم إلى الله زلفى، فإذا اعتقدوا في الأصنام أنها محتاجة إلى الله سبحانه وتعالى فقد بطل أنها آلهة { سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً }[الإسراء43] نزّه سبحانه نفسه وقدّسه ومجده عما لا يليق به والتسبيح : التنزيه)

وبعد هذا يتضح لك الفرق بوضوح أن استقبال الأمة المحمدية للقبلة ( الكعبة) من حيث إن الله تعالى أمر بذلك لا لكونها تعبد من دون الله أو أنها تقربنا الى الله عز وجل، بل من حيث امتثال أمره سبحانه في وجوب استقبالها لا غير { فولوا وجوهكم شطره}[البقرة144] وأما أهل الشرك فقد اعتقدوا أن الأصنام هي التي تقربهم الى الله زلفى وأنها تنفع من دون الله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. والله أعلم

 

  • والخلاصة

    يتضح لك الفرق بوضوح أن استقبال الأمة المحمدية للقبلة ( الكعبة) من حيث إن الله تعالى أمر بذلك لا لكونها تعبد من دون الله أو أنها تقربنا الى الله عز وجل، بل من حيث امتثال أمره سبحانه في وجوب استقبالها لا غير{فولوا وجوهكم شطره}[البقرة144] وأما أهل الشرك فقد اعتقدوا أن الأصنام هي التي تقربهم الى الله زلفى وأنها تنفع من دون الله ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. والله أعلم