عنوان الفتوى: طاعة الوالدين

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

لقد تطلقت من زوجي قبل سنتين..وإن عم أبنائي  رجل صالح ومتزوج قد تقدم لخطبتي بالرغم من حبه الشديد لزوجته أم أبنائه، فهل يحل زواجي به مع العلم بأن والدته غير راضية بقراره؛ وهو يرى بأن ليس لها الحق في التدخل في شؤونه الشخصية ما دام الأمر بعيداً عن معصية الخالق -عزوجل-وبه مصلحة أبناء أخيه؟

نص الجواب

رقم الفتوى

3598

07-فبراير-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

 فاعلمي أختي السائلة أنه يحق لشقيق زوجك أن يتزوجك بعد طلاقك من زوجك، لكن البر بأمه يتطلب منه طاعتها وعدم إتمام هذا الزواج ما لم يكن في زواجك منه ضرورة اجتماعية معتبرة، وللبيان نقول:

أن الله تعالى أمر بطاعة الوالدين والبر والإحسان إليهما، وإدخال السرور على قلوبهما، والابتعاد عن كل ما يؤذيهما، ويدخل في عموم هذا طاعتهما في المباحات والمندوبات، وفروض الكفايات، كما أن الله تعالى حرم على الولد قوله لأبيه أو أمه ( أف) ودخل في ذلك ما هو أعظم من ذلك كضرب أو شتم أو إهانه أعاذنا الله تعالى من ذلك لقول تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} .الإسراء (24)

قال الإمام القرطبي رحمه الله في ذلك:

الأول: { وقضى } أي أمر وألزم وأوجب .قال ابن عباس والحسن وقتادة: وليس هذا قضاء حُكْم بل هو قضاء أمر.

الثانية: أمر الله سبحانه بعبادته وتوحيده ، وجعل برّ الوالدين مقروناً بذلك ، كما قَرَن شكرهما بشكره فقال: {وقَضَى رَبُّكَ ألاَّ تَعْبُدُوا إلاّ إيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَاناً} .

وقال: { أَنِ اشكر لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ المصير } [ لقمان : 14 ]. وفي صحيح البخاريّ عن عبد الله قال : سألت النبيّ صلى الله عليه وسلم أيّ العمل أحبّ إلى الله عز وجل؟ قال: "الصلاة على وقتها" قال: ثم أيّ؟ قال : "ثم بِرُّ الوالدين" قال ثم أيّ؟ قال :"الجهاد في سبيل الله" فأخبر صلى الله عليه وسلم أن برّ الوالدين أفضل الأعمال بعد الصلاة التي هي أعظم دعائم الإسلام . ورتّب ذلك بـ «ثُمّ» التي تعطي الترتيب والمهلة .

الثالثة: من البِرِّ بهما والإحسانِ إليهما ألاّ يتعرض لسَبّهما ولا يَعقُهُّما؛ فإن ذلك من الكبائر بلا خلاف، وبذلك وردت السنة الثابتة؛ ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إن من الكبائر شَتْمَ الرجلِ والديه قالوا: يا رسول الله ، وهل يَشْتُم الرجل والديه؟ قال:نعم؛ يسبّ الرجلُ أبا الرجل فيَسُبّ أباه ويَسُبُّ أمَّه فيسب أمّه " .

 الرابعة: عقوق الوالدين مخالفتهما في أغراضهما الجائزة لهما؛ كما أن بِرَّهما موافقتهما على أغراضهما. وعلى هذا إذا أمرا أو أحدُهما ولدَهما بأمر وجبت طاعتهما فيه، إذا لم يكن ذلك الأمر معصية، وإن كان ذلك المأمور به من قبيل المباح في أصله، كذلك إذا كان من قبيل المندوب. وقد ذهب بعض الناس إلى أن أَمَرَهما بالمباح يصيّره في حق الولد مندوباً إليه وأمرُهما بالمندوب يزيده تأكيداً في نَدْبيّته .

الخامسة: روى الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كانت تحتي امرأة أحبّها، وكان أبي يكرهها فأمرني أن أطلقها فأبَيْتُ، فذكرت ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: "يا عبد الله بن عمر طَلّق امرأتك " قال هذا حديث حسن صحيح.

والواضح من هذه النصوص: أنه يجب على الولد طاعة والديه في كل أمر ليس فيه معصية فخرج بهذا المباحات وفروض الكفايات والسنن المباحة ومنها الزواج، فيتعين على هذا الابن أن لا يخالف أمه في طلبها لأنها لم تأمر بمعصية ولم تنه عن واجب، وحكم الزواج من الثانية من السنن المستحبة وبالتالي مخالفتها معصية لعموم وجوب الطاعة فيما ليس فيه معصية وإليكِ أقوال الفقهاء في ذلك:

جاء في الفواكه الدواني: (وَلَمَّا كَانَتْ طَاعَةُ الْوَالِدَيْنِ مِنْ الْفُرُوضِ الْعَيْنِيَّةِ قَالَ : ( وَلَا يُغْزَو ) ....( بِغَيْرِ إذْنِ الْأَبَوَيْنِ ) أَيْ الْقَرِيبَيْنِ لَا الْجَدِّ وَالْجَدَّةِ ؛ لِأَنَّ الْغَزْوَ الْأَصْلُ فِيهِ الْوُجُوبُ كِفَايَةً ، وَإِطَاعَتُهُمَا عَيْنِيَّةٌ ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ  ..... ، وَلَا مَفْهُومَ لِلْغَزْوِ ، بَلْ سَائِرُ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ لَا يَجُوزُ لِلْوَلَدِ الْخُرُوجُ إلَى شَيْءٍ مِنْهَا بِغَيْرِ إذْنِ الْأَبَوَيْنِ .

قَالَ الْأُجْهُورِيُّ : وَإِنَّمَا يَمْنَعُ الْوَالِدَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا الْوَلَدَ مِنْ الْخُرُوجِ لِفَرْضِ الْكِفَايَةِ إذَا كَانَ عِلْمًا إذَا كَانَا فِي مَحَلِّهِمَا مَنْ يَقُومُ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ

وَأَمَّا إذَا خَلَا عَنْ ذَلِكَ فَلَا يَمْنَعَانِهِ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهِ يُخَاطَبُ بِهِ كُلُّ أَحَدٍ فَيُشْبِهُ الْفَرْضَ الْعَيْنِيَّ ، وَهُمَا لَا يَمْنَعَانِ الْوَلَدَ مِنْهُ ،

وَقَالَ الطُّرْطُوشِيُّ : لَوْ مَنَعَهُ أَبَوَاهُ مِنْ الْخُرُوجِ لِلْفِقْهِ وَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَمَعْرِفَةِ الْإِجْمَاعِ وَالْخِلَافِ ، وَمَرَاتِبِهِ ، وَمَرَاتِبِ الْقِيَاسِ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَوْجُودًا فِي بَلَدِهِ لَمْ يَخْرُجْ إلَّا بِإِذْنِهِمَا ، وَإِلَّا خَرَجَ ، وَلَا طَاعَةَ لَهُمَا فِي مَنْعِهِ ؛ لِأَنَّ تَحْصِيلَ دَرَجَاتِ الْمُجْتَهِدِينَ فَرْضُ كِفَايَةٍ ، وَقَيَّدْنَا بِالزَّائِدِ عَلَى الْعَيْنِيِّ ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَمْنَعَانِ الْوَلَدَ مِنْ الْخُرُوجِ لِمَعْرِفَتِهِ كَمَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَعَقَائِدِ الْإِيمَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْفُرُوضِ الْعَيْنِيَّةِ.

وقال الإمام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم لحديثه صلى الله عليه وسلم: ( عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلَاثًا الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ أَوْ قَوْلُ الزُّورِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ) :

قال رحمه الله: (وَأَمَّا حَقِيقَة الْعُقُوق الْمُحَرَّم شَرْعًا فَقَلَّ مَنْ ضَبَطَهُ . وَقَدْ قَالَ الشَّيْخ الْإِمَام أَبُو مُحَمَّد بْن عَبْد السَّلَام رَحِمَهُ اللَّه : لَمْ أَقِف فِي عُقُوق الْوَالِدَيْنِ وَفِيمَا يَخْتَصَّانِ بِهِ مِنْ الْحُقُوق عَلَى ضَابِطٍ أَعْتَمِدهُ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَجِب طَاعَتهمَا فِي كُلّ مَا يَأْمُرَانِ بِهِ ، وَيَنْهَيَانِ عَنْهُ ، بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاء . وَقَدْ حَرُمَ عَلَى الْوَلَد الْجِهَاد بِغَيْرِ إِذْنِهِمَا لِمَا شَقَّ عَلَيْهِمَا مِنْ تَوَقُّع قَتْله ، أَوْ قَطْع عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ ، وَلِشِدَّةِ تَفَجُّعهمَا عَلَى ذَلِكَ . وَقَدْ أُلْحِق بِذَلِكَ كُلّ سَفَرٍ يَخَافَانِ فِيهِ عَلَى نَفْسه أَوْ عُضْو مِنْ أَعْضَائِهِ هَذَا كَلَام الشَّيْخ أَبِي مُحَمَّد .

       قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح رَحِمَهُ اللَّه فِي فَتَاوِيه : الْعُقُوق الْمُحَرَّم كُلّ فِعْل يَتَأَذَّى بِهِ الْوَالِد أَوْ نَحْوه تَأَذِّيًا لَيْسَ بِالْهَيِّنِ مَعَ كَوْنِهِ لَيْسَ مِنْ الْأَفْعَال الْوَاجِبَة . قَالَ : وَرُبَّمَا قِيلَ طَاعَة الْوَالِدَيْنِ وَاجِبَة فِي كُلّ مَا لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ . وَمُخَالَفَة أَمْرهمَا فِي ذَلِكَ عُقُوق . وَقَدْ أَوْجَبَ كَثِير مِنْ الْعُلَمَاء طَاعَتهمَا فِي الشُّبُهَات .

قَالَ: وَلَيْسَ قَوْل مَنْ قَالَ مِنْ عُلَمَائِنَا: يَجُوز لَهُ السَّفَر فِي طَلَب الْعِلْم ، وَفِي التِّجَارَة بِغَيْرِ إِذْنهمَا مُخَالِفًا لِمَا ذَكَرْته، َإِنَّ هَذَا كَلَامٌ مُطْلَق، وَفِيمَا ذَكَرْته بَيَانٌ لِتَقْيِيدِ ذَلِكَ الْمُطْلَق. وَاَللَّه أَعْلَم) أهـ

  • والخلاصة

    يجب على الولد طاعة والديه في كل أمر ليس فيه معصية فخرج بهذا المباحات وفروض الكفايات والسنن المباحة ومنها الزواج، فيتعين على هذا الابن أن لا يخالف أمه في طلبها لأنها لم تأمر بمعصية ولم تنه عن واجب، وحكم الزواج من الثانية من السنن المستحبة وبالتالي مخالفتها معصية لعموم وجوب الطاعة فيما ليس فيه معصية. والله أعلم