عنوان الفتوى: ارتكاب المعاصي يمنع الرزق

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

ما أسباب ضيق الرزق بعدما كانت جيدة وأتصدق وأزكي؟ هل قدوم مولود أو شراء عقار يكون أحدهما سبباً ؟

نص الجواب

رقم الفتوى

3570

03-مارس-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فبارك الله فيك، وفتح علينا وعليك أبواب الخير والرزق. واعلم ـ وسَّعَ الله عليك ـ أن أعظم الأسباب التي تُذهب الرزق وتمحق بركته هي المعاصي، فمعصية الله تعالى تحرم العبد الرزق، سواء كان هذا الرزق مالاً، أو علماً، أو صحةً، وتضعف بصيرته، وتطمس نور قلبه، وتحرمه نور العلم، وتُبعده عن الله، وتورث الوحشة بينه وبين الناس، فتسقط منزلته من القلوب ويستولي عليه أعداؤه وتوهن بدنه، وغير ذلك من فوات الخيرات وحصول الآفات المترتبة على المعاصي.

وقد روى أحمد وابن ماجه والحاكم وصحَّحَه عَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :" لَا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلَّا الْبِرُّ وَلَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِخَطِيئَةٍ يَعْمَلُهَا ".

و قال الشيخ ملا علي القاري رحمه الله في مرقاة المفاتيح: والمعنى ليصير محروماً من الرزق بالذنب أي بسبب ارتكابه؛ يصيبه أي حال كونه يصيب الذنب ويكتسبه، قال المظهر له معنيان:

أحدهما: أن يراد بالرزق ثواب الآخرة.

وثانيهما: أن يراد به الرزق الدنيوي من المال والصحة والعافية، وعلى هذا إشكال؛ فإنا نرى الكفار و الفساق أكثر مالاً وصحة من الصلحاء !؟ و الجواب: أن الحديث مخصوص بالمسلم يريد الله به أن يرفع درجته في الآخرة فيعذبه بسبب ذنبه الذي يصيبه في الدنيا، قلت: وهذا أيضاً من القضاء المعلق لأن الآجال والآمال والأخلاق والأرزاق كلها بتقديره وتيسيره.اهـ 

وقال الإمام المناوي رحمه الله في فيض القدير: قال بعضهم واعلم أن من الحوادث ما ظاهره عنف وباطنه لطف؛ كحرمان الرزق بما يصيبه من الذنب فإن العبد إذا أعرض عن ربه واشتغل بما أسبغ عليه وأحب إقباله عليه حرمه سعة ما بسط له ليخاف فيرتدع ويضيق عليه جهات الرزق فيلجأ إليه ويقبل بالتضرع إليه ومن أراد غير ذلك زاده على ذنبه نعما ليزداد إعراضاً وشغلا ، فإن قيل كيف يحرم الرزق المقسوم؟ قلنا يحرم بركته أو سعته أو الشكر عليه.اهـ 

فترك الذنوب حياة للقلوب و الأبدان، ومع ذلك فهناك أسباب تجلب الرزق، و منها :

1- الاستغفار والتوبة إلى الله تعالى، فهو من أعظم أبواب الفرج وسعة الرزق، لقوله تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً .يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً .وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً }[نوح10 ـ 12]

قال الإمام الشوكاني رحمه الله في فتح القدير: وفي هذه الآية دليل على أن الاستغفار من أعظم أسباب المطر وحصول أنواع الأرزاق، ولهذا قال: { وَيُمْدِدْكُمْ بأموال وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جنات } يعني : بساتين { وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً } جارية، قال عطاء: المعنى يكثر أموالكم وأولادكم، أعلمهم نوح عليه السلام أن إيمانهم بالله يجمع لهم مع الحظ الوافر في الآخرة الخصب والغنى في الدنيا. اهـ 

وروى أبوداود وابن ماجه والَحاكم وصحَّحه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ".

2- ومنها الدعاء والالتجاء إلى الله تعالى، فهو تعالى كفيل بإغاثة الملهوف، وتفريج المكروب، وإجابة المضطر، قال تعالى:{أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ }[النمل62].

وهو الذي يستحي أن يردَّ عبده الذي دعاه، كما روى أبو داود والترمذي وحسنه واللفظ له والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين، عن سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" إن الله حيي كريم يستحيي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرا خائبتين".

وروى أبو داود والترمذي والحاكم وصححه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته ومن نزلت به فاقة فأنزلها بالله فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل".

و ثمَّ أسباب أخرى لا يتسع المقام لذكرها كبر الوالدين، وصلة الأرحام، والصدقة وغيرها.

واعلم حفظك الله: أن الله يبتلي المؤمنين ليعتبروا، ويتذكروا لعلهم يرجعون إليه فيغفر لهم ذنوبهم، ويكفر عنهم سيئاتهم، كما قال تعالى:{و َلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [ البقرة : 155].

فيشرع الدعاء وإظهار الفاقة، و لاستضعاف، والانكسار، والتوبة، والاستغفار؛ رجاء أن يزيل الله الشدائد عن عباده.

قال صاحب الحكم رحمه الله: ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك متى فتح لك باب الفهم عنه عاد المنع عين العطاء.

والغالب على النفس الضعيفة أن تنبسط وتفرح بالعطاء وتنقبض بالمنع، لأن في العطاء متعتها وشهوتها فتنبسط بذلك، وفي المنع قطع موادها وترك حظوظها ولا شك أنها تنقبض بذلك وذلك لجهلها بربها وعدم فهمها، فربما أعطاك ما تشتهيه نفسك فمنعك بذلك عن مناجاته، وربما أعطاك متعة الدنيا وزهرتها فمنعك الآخرة ونعيمها، وربما أعطاك قوة البدن ومنعك قوة الروح، وربما أعطاك إقبال الخلق فمنعك من إقبال الحق سبحانه، ربما أعطاك عز الدنيا ومنعك عز الآخرة، وربما منعك من عز الدنيا وأعطاك عز الآخرة.

الطاعة ليست شرطاً للرزق، فالله تعالى يرزق المؤمن والكافر، ولكن الاستغفار والطاعة سبب في توسيع الرزق ونزول البركات، وكثرة الخيرات.

وقد فصلنا الكلام عن مسألة الرزق بالطاعة في الفتوى رقم ( 914 ) على موقعنا . 

وأما مجيء المولود فهو مجيء بركة وخير وسعة، والله تعالى إنما يرحمنا بهؤلاء الصغار، والعبد يولد ورزقه مكتوب عند الله تعالى قبل ولادته، بل هو مكتوبٌ في الأزل،  فقد روى الشيخان عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ:" إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ"... الحديث ). 

فلا تشغل بالك بهذا الأمر، وأقبل على الله تعالى، وأد ما عليك من سعي في طلب الرزق الحلال، وتلمَّس مواضع نعمه عليك، فإن كان حرمك نعمة فكم أعطاك غيرها، وإن كان ابتلاك في شيءٍ فكم عافاك في أخرى، وإن كان سلبك شيئاً فكم أبقى لك، فسبحان من له الخلق والأمر، والله الموفق .

  • والخلاصة

     أعظم الأسباب التي تُذهب الرزق وتمحق بركته هي المعاصي، وأما الأسباب الجالبة للرزق فكثيرة منها: الاستغفار والتوبة والدعاء وبر الوالدين وصلة الأرحام، والصدقة وغيرها، وابتلاء الله للمؤمنين ليعتبروا، ويتذكروا لعلهم يرجعون إليه فيغفر لهم ذنوبهم، ويكفر عنهم سيئاتهم، فيشرع الدعاء وإظهار الفاقة، والاستضعاف، والانكسار، والتوبة، والاستغفار؛ رجاء أن يزيل الله الشدائد عن عباده، وأما مجيء المولود فهو مجيء بركة وخير وسعة، فلا تشغل بالك بهذا الأمر، وأد ما عليك من سعي في طلب الرزق الحلال، وأقبل على الله تعالى .