عنوان الفتوى: غض البصر ، وأسباب تعين عليه

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

أنا أصلي وأصوم وأخاف الله عزَّ وجلَّ، لكن عندي مشكلة في غضِّ البصر، ما حكمه؟ وما هو المقصود بغضِّ البصر؟  وكذلك أسأل عن النظر للنساء في التلفاز أو الإنترنت، ما حكمه؟ وكيفية التخلص منه؟

نص الجواب

رقم الفتوى

3496

29-يناير-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فاعلم حفظك الله أن غضُّ البصر عن محارم الله واجب على كل مسلم، ولا فرق في ذلك بين أن يكون النظر عبر التلفاز أو الإنترنت أوالصور المطبوعة أو النظر حقيقة إلى أعيان النساء حيث أمرنا الله بحفظ البصر عن الحرمات، أو حتى عمن يجوز النظر إليهم إذا كان النظر إليهم بشهوة، وذلك لخطورة إطلاق البصر إلى الحرام، وعظيم ضرره على القلب والبدن، وشدَّة فساده على نفس الإنسان، وربما تعدى ضرره إلى المنظور إليها، قال تعالى: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ . } النور 30. 

وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم خطورة النظر كما جاء فيما رواه أحمد وابن حبان وأبويعلى بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( العينان تزنيان، واللسان يزني، واليدان تزنيان، والرجلان تزنيان، ويحقق ذلك الفرج أو يكذبه)، فالعين مرآة القلب، وما يقع فيها يتحول إلى القلب، فيفسده ويضره ويشغله عن الله، وصده عن سبيله وطاعته.

قال الإمام العدوي المالكي رحمه الله في حاشيته : "قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ : وَالْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْعَيْنَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا كَبِيرَةٌ وَلَكِنَّهَا أَعْظَمُ الْجَوَارِحِ آفَةً عَلَى الْقَلْبِ ، وَأَسْرَعُ الْأُمُورِ فِي خَرَابِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا"اهـ.

وقال الإمام المناوي رحمه الله في فيض القدير: "والغضُّ عن المحارم يوجب حلاوة الإيمان، ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، ومن أطلق لحظاته دامت حسراته فإن النظر يولد المحبة في القلب ثم تقوى فتصير صبابة ينصب إليه القلب بكليته فيصير غراما يلزم القلب كلزوم الغريم ثم يقوى فيصير عشقا.وهو الحب المفرط ، ثم يقوى فيصير شغفا وهو الحب الذي وصل إلى شغاف القلب ودواخله ، ثم يقوى فيصير تتيما "اهـ.

وإذا اتفق أن وقع البصر على محرم من غير قصد، فليصرف البصر عنه سريعاً؛ لأنَّ البصر هو الباب الأول إلى القلب ورائده.

وغضُّ البصر عن الحرام من دلائل الإيمان، بل هو علامة على صحة القلب وقوته، والجزاء من جنس العمل، فمن آثر رضا الله على هوى نفسه أورثه حلاوة الإيمان في قلبه، كما روى الإمام أحمد والبيهقي وسنده ضعيف عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَنْظُرُ إِلَى مَحَاسِنِ امْرَأَةٍ أَوَّلَ مَرَّةٍ ثُمَّ يَغُضُّ بَصَرَهُ إِلَّا أَحْدَثَ اللَّهُ لَهُ عِبَادَةً يَجِدُ حَلَاوَتَهَا ).

 قال الإمام المناوي رحمه الله في فيض القدير: "فلما وقع بصره على محاسنها وجب الغض فإذا امتثل الأمر فقد قمع نفسه عن شهوتها فجوزي بإعطائه نورا وجد به حلاوة العبادة وذلك داع إلى ازدياد منها وكلما ازداد منها في هذه الدار ازداد رفعة في دار القرار "اهـ. 

وكما أمر الرجال بحفظ أبصارهم أمر النساء بحفظ أبصارهن أيضاً؛ فقال تعالى: { وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ... الآية} النور31. 

والأمة مُجْمِعَةٌ على وجوب حفظ البصر عن الحرام على الرجال والنساء، قال الشيخ النفراوي المالكي رحمه الله في الفواكه الدواني : "(وَمِنْ الْفَرَائِضِ) عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ (غَضُّ الْبَصَرِ) أَيْ كَفُّ عَيْنَيْهِ (عَنْ نَظَرِ) جَمِيعِ (الْمَحَارِمِ) أَيْ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي حَرَّمَهَا اللَّهُ تَعَالَى ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ لِأَجْنَبِيَّةٍ ، وَلَا لِأَمْرَدَ عَلَى وَجْهِ الِالْتِذَاذِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى حُرْمَةِ النَّظَرِ بِقَصْدِ الشَّهْوَةِ لِغَيْرِ الزَّوْجَةِ "اهـ. 

 والبصر نعمة عظيمة استودعها الله العبد لتعينه على عبادة الله، وعلى قضاء شؤون معاشه، لا لتكون أداة معصية العبد لربه، وحق النعمة إدامة الشكر عليها بطاعة الله، فمن تعود على إطلاق بصره لما لا يحل له فليتق الله، وليراع شكر هذه النعمة فلا يستعملها في معاصي الله، فإنَّ من تمام شكر الله أن تستخدم هذه الجوارح في مرضاة الله، وكما أنَّك لا تحبُّ أن يرى الناس ويتابعوا أهلك فلا ترضى هذا لنفسك، والله عزَّ وجلَّ يوفقك للخير ويجنبك الشر، وفيما رزقك الله من الحلال غنية عن ذلك. 

لكن هناك أحوال وحاجات يستثنى فيها النظر إلى الأجنبية من عموم المنهي عنه، وهي عند الفقهاء: الخِطبة، والمعالجة، والمعاملة كبيع وشراء، والشهادة أو القضاء، والتعليم، ونحو ذلك والنظر بقدر الحاجة، فلا يجوز أن يجاوز ما يحتاج إليه، لأن ما حَلَّ لضرورة يقدر بقدرها. 

قال الإمام المواق المالكي رحمه الله في التاج والإكليل: "قَالَ عِيَاضٌ : ...وَغَضُّ الْبَصَرِ يَجِبُ عَلَى كُلِّ حَالٍ فِي أُمُورِ الْعَوْرَاتِ وَأَشْبَاهِهَا، وَيَجِبُ مَرَّةً عَلَى حَالٍ دُونَ حَالٍ مِمَّا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ فَيَجِبُ غَضُّ الْبَصَرِ إلَّا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ مِنْ شَهَادَةٍ، أَوْ تَقْلِيبِ جَارِيَةٍ لِلشِّرَاءِ، أَوْ النَّظَرِ لِامْرَأَةٍ لِلزَّوَاجِ، أَوْ نَظَرِ الطَّبِيبِ وَنَحْوِ هَذَا "اهـ. 

وأما الأسباب التي تعين على غض البصر فكثيرة، منها : 

1- الاستعانة بالله تعالى ودعاؤه أن يعينك على نفسك وشهواتك ، فالمُعان من أعانه الله تعالى.

 2ـ  استشعار مراقبة الله علينا، وأنه مطلع على سرنا وعلانيتنا وهو الذي أمرنا بغض البصر، وكان من كلام بعضهم ما أخرجه أبو نعيم في الحلية عن وهيب بن الورد أنه قال: "اتَّقِ الله أنْ يكونَ أهونَ الناظرين إليك ".

وقال الإمام الجنيد - رحمه الله- للذي سأله بم يستعان على غض البصر؟ فقال: "بعلمك أن نظر الناظر إليك (وهو الله سبحانه) أسبق من نظرك إلى من تنظره ".

وقال الحارث المحاسبي : "المراقبة: علم القلب بقرب الرب، كلما قويت المعرفة بالله قوي الحياء من قربه ونظره".

3- الابتعاد عن رفقاء السوء الذين يدلُّون على الشر ويعينون عليه.

4- ومما يعين على الصبر عن المعاصي ملاحظة حسن الجزاء، وذلك بتذكر ما ينعم الله تعالى به على المؤمن في الجنة من الحور العين، وأنه كلما ارتفعت درجته كلما زاد نعيمه.

5- المحافظة على فعل الطاعات والإكثار من القربات، خاصة صلاة الجماعة، وقيام الليل ولو ركعتين، والاستغفار، والذكر، والصدقة ولو يسيرة، فإن  فعل الطاعة ينهى عن الآثام والمعاصي؛ قال تعالى: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ }العنكبوت45.

وروى البزار وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: رجاله ثقات عن جابر رضي الله عنه قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن فلاناً يصلي فإذا أصبح سرق، قال: "سينهاه ما يقول". 

نسأل الله تعالى أن يجنب شبابنا وبناتنا الفتن والشرور، وأن يحصن فروجهم، ويرزقهم غضَّ البصر، والله أعلم .

  • والخلاصة

    غضُّ البصر عن محارم الله واجب على كل مسلم، ولا فرق في ذلك بين أن يكون النظر عبر التلفاز أو الإنترنت أو الصور المطبوعة أو النظر حقيقة إلى أعيان النساء، حيث أمرنا الله بحفظ البصر عن الحرمات أو حتى عمن يجوز النظر إليهم إذا كان النظر إليهم بشهوة، نسأل الله تعالى أن يحفظك وأن يعينك على نفسك، وأن يجنب شبابنا وبناتنا الفتن والشرور، وأن يحصن فروجهم، ويرزقهم غض البصر، والله أعلم .