عنوان الفتوى: حكم هجر صلاة الجماعة في المساجد

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

إن بعض أهل السنة والجماعة من جيراننا وأصدقائنا يهجرون المساجد، أريد أن تنصحوهم.

نص الجواب

رقم الفتوى

3489

31-يناير-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

  أخي السائل الكريم بارك الله بك وجزاك الله خيراً، وجعلك من عباده الصالحين:

اعلم يا أخي أن صلاة الجماعة مطلوبة، وقد اختلف الفقهاء في حكمها، فذهب المالكية وبعض الحنفية ورواية عند الشافعية إلى أن صلاة الجماعة سنة مؤكدة.

وذهب الشافعية في الأصح إلى أن صلاة الجماعة فرض كفاية، يجب على أهل كل محلة أن يقيموها، وإذا أقامها بعضهم سقط الطلب عن الباقين، وكانت فى حقهم سنة. وهي عند الحنابلة ورواية عند الشافعية فرض عين.

وقد أمر الله تعالى بالمحافظة على الصلوات بقوله : (حافظوا على الصلوات) [ البقرة : 238 ]، ومن تمام محافظتها صلاتها فى جماعة.

وصلاة الجماعة تزيد على صلاة الواحد بسبع وعشرين درجة، ويكفِّر الله بها الخطايا.

- فعن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة "رواه البخاري ومسلم.

- وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بضعاً وعشرين درجة وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة لا يريد إلا الصلاة فلم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة وحط عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه يقولون اللهم ارحمه اللهم اغفر له اللهم تب عليه ما لم يؤذ فيه ما لم يحدث فيه "رواه مسلم.

- وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم :" ألا أدلكم على ما يرفع الله عز وجل به الدرجات ويكفر به الخطايا كثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة وإسباغ الوضوء على المكاره "رواه الإمام أحمد.

وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ المسلم الذي يتخلف عن صلاة الجماعة، ويصلي منفرداً يستحوذ عليه الشيطان.

فعن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة ، إلا قد استحوذ عليهم الشيطان ، فعليك بالجماعة ، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية ».

قال السائب: يعني بالجماعة: الصلاة في الجماعة ، زاد رزين « وإن ذئب الإنسان: الشيطان، إذا خلا به أكله » أخرجه أبو داود والنسائي.

وننبه هنا إلى أن الأصل في صلاة الجماعة أن تكون في المسجد، ولكن الجماعة تصح في غير المسجد، كمن كان في البر أو البدو أو فاتته الصلاة  في المسجد فصلى جماعة في مكان عمله، ولكن يفوته ثواب الخطوات التي يخطوها إلى المسجد وزيادة المضاعفة. 

 فالجماعة في المسجد أفضل من الجماعة في غير المسجد، وجماعة المرأة والخنثى في البيت أفضل منها في المسجد لخبر الصحيحين: {صلوا أيها الناس في بيوتكم فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة} أي فهي في المسجد أفضل، لأن المسجد مشتمل على الشرف والطهارة وإظهار الشعائر وكثرة الجماعة واحتساب الخطوات وكثرة البركات.

وقال صلى الله عليه وسلم { صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كان أكثر فهو أحب إلى الله تعالى } رواه أبو داود وغيره وصححه ابن حبان وغيره.

ويخشى على المسلم الذي يتعمد التخلف عن صلاة الجماعة بغير عذر أن يكون فيه نفاق؛ ففي صحيح مسلم عن أبي الأحوص عن عبد الله قال من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن فإن الله شرع لنبيكم صلى الله عليه وسلم سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة ويرفعه بها درجة ويحط عنه بها سيئة ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف ".

ومما يدل على أن التكاسل عن صلاة الجماعة والتثاقل عنها من صفات المنافقين:

ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : " إن أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء و صلاة الفجر، و لو يعلمون ما فيهما لأتوهما و لو حبواً، و لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ، ثم آمر رجلاً يصلي بالناس، ثم انطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم "متفق عليه.

وعن أبي  هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقا سميناً أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء ". رواه البخاري.

والعرق: العظم إذا كان عليه لحم، والمرماتين: ما بين ظلفي الشاة.

والوعيد بتحريق بيوت المتخلفين عن الجماعة يراد به الزجر لا حقيقته.

قال الشيخُ الإمام، أبو العبَّاس أحمَدُ بنُ عُمَرَ، الأنصاريُّ القرطبيُّ، في كتاب المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم:" ومعنى هذا الحديث: أن المنافق لجهله بما أعد على شهودها فى الجماعة يكسل عنها، وتثقل عليه، ولقلة رغبته في أعمال الخير . فلو عن له حظ يسير من الدنيا كالمرماة، أو كالعرق؛ لبادر إليه وأتى المسجد في أي وقت كان، إذا كان ذلك الحظ في المسجد ".

ولا بد من الإشارة أخي السائل إلى أن التخلف عن صلاة الجماعة قد يكون بعذر فلا يلام صاحبه.

جاء في مختصر خليل في الفقه المالكي:" وعذر تركها والجماعة: شدة وحل ومطر، أو جذام ومرض، وتمريض، وإشراف قريب ونحوه، وخوف على مال، أو حبس، أو ضرب والاظهر والاصح، أو حبس معسر، وعري، ورجاء عفو قود وأكل: كثوم كريح عاصفة بليل، لا عرس، أو عمى، أو شهود عيد، وإن أذن الإمام ". 

وننبهك أخيراً أنَّ العبرة بحقيقة الحال، وليس بكثرة المقال، فالمهم في الموضوع هو الالتزام والتطبيق والسير الفعلي على منهج أهل السنة والجماعة، ومن قصَّر منهم  في العمل لا بد من مناصحته بالحكمة والموعظة الحسنة، وكثرة الدعاء له بظهر الغيب أن يوفقه الله إلى البر والتقوى وما يحب ويرضى، واعلم وفقك الله أيضاً أنَّه ليس كل من ادعى أنه من أهل السنة والجماعة يكون في الحقيقة كذلك بل العبرة بالعمل والالتزام بالسنة وتحكيمها قولاً وفعلاً وفق منهج الصحابة والأئمة من بعدهم، والله تعالى أعلم.

 

  • والخلاصة

    صلاة الجماعة تزيد على صلاة الواحد بسبع وعشرين درجة، ولها أجر عظيم، والمسلم الملتزم بمنهج أهل السنة والجماعة لا يهجر المسجد ولا الجماعة، والله تعالى أعلم.