عنوان الفتوى: حكم الإسراف

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

إمرأه على وشك ولادة، و تريد بعد ولادتها أن تعمل دعوة عشاء -بوفيه كبير- في البيت مع خدم وحشم بتكلفة قدرها فوق/ 15/ ألف درهم بدل من عزيمة تحضر في البيت، و هي قادرة و عندها المال، لذلك هل تعتبر هذا من الإسراف؟

نص الجواب

رقم الفتوى

3483

31-يناير-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

 فنسأل الله أن يكتب لك السلامة، وأن يجعل قدوم المولود على خير، غنه سميع مجيب.

والإسراف هو: الإفراط في الشيء، وأصل الإسراف: تجاوز الحد المباح إلى ما لم يُبَحْ.

ولا شكَّ أنَّ الإسراف والتبذير من الأمور المذمومة شرعاً، قال الله تعالى: { وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ } [الأنعام:141]، وقال تعالى: { وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا* إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ } [الإسراء:26-27]، وإنه لمن أبشع أوصاف المبذر وصفه بأنه أخ للشيطان، أعاذنا الله جميعاً.

ولذلك فالمطلوب من المسلم أن يقتصد ويتوسط في أموره كلها، قال الله تعالى في وصف عباده المؤمنين: { وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا } [الفرقان:67]، قال ابن كثير رحمه الله: "أي ليسوا بمبذرين في إنفاقهم، فيصرفون فوق الحاجة، ولا بخلاء على أهليهم، فيقصرون في حقهم فلا يكفونهم، بل عدلاً خياراً، وخير الأمور أوسطها".

وقال عزَّ وجلَّ: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا} [سورة الإسراء:29].
والإسراف إمَّا أن يكون بالزيادة على القدر الكافي والشره في المأكولات التي تضر بالجسم، وإما أن يكون بزيادة الترفه والتأنق في المآكل والمشارب واللباس، وإما بتجاوز الحلال إلى الحرام.

ولكن حد الإسراف يختلف باختلاف حال الناس، فما يكون إسرافاً في حق شخص قد لا يكون إسرافاً في حقِّ آخر، فالله تعالى فضل بعض الناس على بعض في الرزق... وقال: {وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ} [النحل:71]. وقال:{ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ...} [الطلاق:7]. 

وبما أنَّ مكاسب العباد مختلفة وأرزاقهم متفاوتة، وبالتالي تختلف النفقات من شخص إلى شخص، ومن بيت إلى بيت، ومن طبقة إلى طبقة، فيعدُّ إسرافاً في حقِّ بعض الناس ما لا يعد إسرافاً في حقِّ غيره نتيجة للتفاوت في الرزق بينهم، فمن يملك الملايين ليس كمن لا يملكها، فمن تجاوز طاقته مباراة لمن هم أغنى منه وأقدر كان مسرفاً.

 وقد ورد في السنة  قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما ملأ آدمي وعاءً شراً من بطنه، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه" رواه أحمد والترمذي وهو حديث صحيح.

وهذا الحديث الصحيح يدلُّ على أنَّ الإسراف في الأكل والتوسع فيه أمر غير مرغوب فيه، بل وخطير، بحسب ابن آدم ما يقيم صحته، ويقيم صلبه من اللقيمات التي تناسبه صباحا ومساء، وفي غير ذلك من الأوقات التي يحتاج فيها إلى الطعام والشراب.

قال السرخسي في المبسوط :" ومن الإسراف في الطعام الاستكثار من المباحات والألوان ....... وقال: " وَمِنْ الْإِسْرَافِ أَنْ تَضَعَ عَلَى الْمَائِدَةِ مِنْ أَلْوَانِ الطَّعَامِ فَوْقَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْآكِلُ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى مِقْدَارِ حَاجَتِهِ فِيهِ كَانَ حَقَّ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ قَصْدِهِ أَنْ يَدْعُوَ الْأَضْيَافَ قَوْمًا بَعْدَ قَوْمٍ إلَى أَنْ يَأْتُوا عَلَى آخِرِ الطَّعَامِ فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُفْسِدٍ ".

فإذا كان هذا المبلغ دفع في إطعام عدد كبير من المدعوين فلا بأس، بل هو من الخير الذي يؤجر عليه، بشرط أن لا يرمى الطعام المتبقي، ويحرم منه الفقراء والمساكين، لأن صنع طعام كثير لعدد قليل من الناس يعد إسرافاً.

وأما إعطاء المتبقي من الطعام للمحتاجين، أو توزيعه عن طريق مشروع حفظ النعمة الذي يقوم على أساس أخذ فضل الطعام من أناس وتوزيعه على مستحقيه، وهذا العمل فيه ثواب كبير لتحقيقه لمعنى الشكر الواجب ولكونه صورة من صور تطبيق حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ( وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ )، ولمزيد من التفاصيل عن ذلك نرجوا الرجوع إلى الفتوى رقم: 1904، والفتوى 2030.

ولقد تحدث السادة المالكية عن التبذير وعدوا إتلاف المال وطرحه من الأسباب التي يحجر على الإنسان بسببها، فقد قال الشيخ الصاوي المالكي في حاشيته على الشرح الصغير ما نصه: (وَالسَّفَهُ الَّذِي هُوَ أَحَدُ أَسْبَابِ الْحَجْرِ هُوَ التَّبْذِيرُ: أَيْ صَرْفُ الْمَالِ فِي غَيْرِ مَا يُرَادُ لَهُ شَرْعًا.... إلى أن قال: أَوْ صَرْفِهِ فِي شَهَوَاتٍ نَفْسَانِيَّةٍ عَلَى خِلَافِ عَادَةِ مِثْلِهِ فِي مَأْكَلِهِ وَمَشْرَبِهِ وَمَلْبُوسِهِ وَمَرْكُوبِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، أَوْ بِإِتْلَافِهِ هَدَرًا كَأَنْ يَطْرَحَهُ عَلَى الْأَرْضِ أَوْ يَرْمِيَهُ فِي بَحْرٍ أَوْ مِرْحَاضٍ كَمَا يَقَعُ لِكَثِيرٍ مِنْ السُّفَهَاءِ يَطْرَحُونَ الْأَطْعِمَةَ وَالْأَشْرِبَةَ فِيمَا ذُكِرَ وَلَا يَتَصَدَّقُونَ بِهَا".  والله أعلم.

  • والخلاصة

     يختلف حدُّ الإسراف باختلاف حال الناس، فما يكون إسرافاً في حق شخص قد لا يكون إسرافاً في حقِّ آخر، فالمبلغ المذكور إن بذله شخص قليل ذات اليد، فهو إسراف محرم، وإن جاد به غني موسر عقيقة عن ولده، ولم يرمى من الطعام شيء فليس بإسراف، والله أعلم.