عنوان الفتوى: حكم التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

أختي قالت لابنها القاصر البالغ من العمر 10 سنوات (الله يفضحك بجاه النبي محمد).  ما هو ذنبها على هذا القول؟ فهي قد سألت جماعة هنا في ألمانيا وقالوا لها بأنها كفَرت، وجعلوها تتشهد (تنطق بالشهادتين)؛ وقاموا بعقد قرانها على زوجها مرة أخرى. سؤالي: هل هي فعلاً كما قالوا؟

نص الجواب

رقم الفتوى

3474

27-يناير-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فلا يجوز للمسلم أن يكفر أخاه المسلم إلا بحجة دامغة ودليل قاطع لا شبهة فيه ولا تأويل، وإلا فقد رجع قوله على نفسه، ففي الصحيحين وغيرهما واللفظ لمسلم: "أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ". وللمزيد راجع  الفتوى رقم (644) عن خطورة التكفير.

 وما قالته أختك ليس قولاً يقتضي تكفيرها، والواجب على المسلم أن يتوجه بالسؤال إلى أهل العلم الموثوقين، وإن تكفير هؤلاء لأختك هو من الجرأة على الله وعلى شرعه. وما قالته أختك أمرٌ لا ينبغي، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهانا أن ندعو على أبنائنا فقال:"لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ لَا تُوَافِقُوا مِنْ اللَّهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ" رواه مسلم، وراجع الفتوى رقم ( 1260) في موضوع دعاء الأم على أبنائها.

 وأما توسلها في الدعاء بالنبي صلى الله عليه وسلم فأمر جائز لا يحتمل التبديع والتضليل، وإلى جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم ذهب جماهير السلف والخلف، واستدلوا على ذلك بمجموعة من الأدلة، من ذلك:

أولاً: حديث عثمان بن حنيف:

"أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ الْبَصَرِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي قَالَ إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ قَالَ فَادْعُهْ قَالَ فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى لِيَ اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ".

رواه الإمام أحمد في مسنده، والترمذي والنسائي وابن ماجه في السنن، والحاكم في مستدركه، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، والطبراني في المعجم الكبير والصغير، والبيهقي في دلائل النبوة، وغيرهم.

وقد صحح الحديث طائفة كثيرة من أئمة الحديث، ومن أولئك الإمام الترمذي فقال:[هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ]، والإمام ابن خزيمة وابن حبان، والحاكم فقال:[هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه]، والطبرانى والبيهقي، والحافظ المنذرى والذهبي، والهيثمى وابن حجر في آمالي الأذكار.

ثانياً: حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه:

قال:"قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى الصَّلَاةِ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ وَأَسْأَلُكَ بِحَقِّ مَمْشَايَ هَذَا فَإِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشَرًا وَلَا بَطَرًا وَلَا رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً وَخَرَجْتُ اتِّقَاءَ سُخْطِكَ وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ فَأَسْأَلُكَ أَنْ تُعِيذَنِي مِنْ النَّارِ وَأَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ أَقْبَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ وَاسْتَغْفَرَ لَهُ سَبْعُونَ أَلْفِ مَلَكٍ".

وقد صحح هذا الحديث جمع من الحفاظ، منهم الإمام الحافظ الدمياطي في المتجر الرابح في ثواب العمل الصالح، والحافظ العراقي في تخريج أحاديث الحياء، والحافظ أبو الحسن المقدسي شيخ الحافظ المنذري، والحافظ ابن حجر العسقلاني في أمالي الأذكار.

وقد نص أئمة الفقه من المالكية والحنفية والشافعية والحنابلة على جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم.

أئمة المالكية:

ذكر الإمام العلامة القاضي أبو الفضل عياض اليحصبي المالكي المتوفى سنة (544هـ) في كتابه الشفا بتعريف حقوق المصطفى بسنده أن أبا جعفر أمير المؤمنين ناظر مالكاً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له مالك يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد فإن الله تعالى أدب قوماً فقال:{لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} الآية، ومدح قوماً فقال:{إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله} الآية، وذم قوما فقال:{إن الذين ينادونك} الآية، وإن حرمته ميتاً كحرمته حياً، فاستكان لها أبو جعفر وقال يا أبا عبد الله أستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال ولِمَ تصرفْ وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عيه السلام إلى الله تعالى يوم القيامة ؟ بل استقبله واستشفع به فيشفعه الله، قال الله تعالى {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم} الآية.

الشهاب القرافي قي الذخيرة ( 3 / 275 , 276 ) : (وحكى العتبيُّ أنه كان جالساً عند قبره عليه السلام فجاء أعرابي فقال السلام عليك يا رسول الله سمعت الله يقول {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً} .[النساء:64] وقد جئتك مستغفراً من ذنبي مستشفعاً بك إلى ربي ثم أنشأ يقول :

                        يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم

                        نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم

ثم انصرف الأعرابي فحملتني عيني فرأيت النبي في النوم فقال لي يا عتبي إلحق الأعرابي فبشره أن الله قد غفر له). وقال الإمام عبد الحق الأندلسي الأشبيلي المالكي في كتابه العاقبة في ذكر الموت:(ويستحب لك رحمك الله أن تقصد بميتك قبور الصالحين، ومدافن أهل الخير فتدفنه معهم، وتنزله بإزائهم، وتسكنه في جوارهم، تبركاً بهم، وتوسلاً إلى الله تعالى بقربهم، وأن تجتنب به قبور من سواهم ممن يخاف التأذي بمجاورته والتألم بمشاهدته، فقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:إن الميت يتأذى بالجار السوء كما يتأذى به الحي).

الحنفية:

قال الإمام عبد الله بن محمود الموصلي الحنفي في كتابه الاختيار لتعليل المختار:(يا رسول الله نحن وفدك وزوار قبرك ، جئناك من بلاد شاسعة، ونواح بعيدة، قاصدين قضاء حقك والنظر إلى مآثرك، والتيامن بزيارتك، والاستشفاع بك إلى ربنا، فإن الخطايا قد قصمت ظهورنا، والأوزار قد أثقلت كواهلنا، وأنت الشافع المشفع، الموعود بالشفاعة والمقام المحمود، وقد قال الله تعالى:{ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيماً} [ النساء: 64]، وقد جئناك ظالمين لأنفسنا، مستغفرين لذنوبنا، فاشفع لنا إلى ربك، واسأله أن يميتنا على سنتك، وأن يحشرنا في زمرتك، وأن يوردنا حوضك، وأن يسقينا كأسك غير خزايا ولا نادمين). وبهذا صرح غيره من أئمة الحنفية.

الشافعية:

قال الإمام النووي الشافعي رحمه الله في المجموع في باب زيارة قبر الرسول صلى اللّه عليه وسلم: (ثم يرجع إلى موقفه الأول قبالة وجه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ويتوسل به في حق نفسه ويستشفع به إلى ربه).

الحنابلة:

 قال الإمام ابن مفلح الحنبلي في الفروع:(وَيَجُوزُ التَّوَسُّلُ بِصَالِحٍ ، وَقِيلَ : يُسْتَحَبُّ ، قَالَ أَحْمَدُ فِي مَنْسَكِهِ الَّذِي كَتَبَهُ لِلْمَرُّوذِيِّ :إنَّهُ يَتَوَسَّلُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دُعَائِهِ ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ)، والله أعلم.

  • والخلاصة

    ليس للمرء أن يدعو على أولاده، وقد أخطأ من أخرج أختك من الإسلام، وإن الدعاء بجاه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مشروع، والله أعلم.