عنوان الفتوى: الرشوة ومعناها ومتى يجوز دفعها

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

أرجو بيان معنى الرشوة، فقد عمت بها البلوى وصار كثير من الموظفين يعلق عمله على أخذها، ويقوم المتعاملون بدفعها بحجة أنهم مضطرون لذلك؛ وإلا فات عليهم عمل أو فرصة بسبب الامتناع عن الدفع. فهل يجوز بذل المال للوصول إلى الغرض بحجة الضرورة؟ وما مقدار الضرورة؟

نص الجواب

رقم الفتوى

3461

27-يناير-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فإنَّ العلماء عرفوا الرشوة بأنها -كما جاء في المصباح المنير-:( الرشوة بالكسر: ما يعطيه الشخص الحاكمَ وغيره ليحكم له أو يحمله على ما يريد).

 وعرفها البدر الزركشي رحمه الله في كتابه المنثور:( الرشوة أخذ المال ليحق به الباطل أو يبطل الحق). وهي حرام، وجاء في شأنها اللعن لآكلها وموكلها، فعن أبي عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: (( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي ))رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

 وقد نهى شرعنا عنها لما يترتب عليها من مفاسد عظيمة، منها تحريض الموظفين على استغلال حوائج الناس بدون حق، ودفع المال للموظف قد يؤدي إلى جعل الباطل حقاً والحق باطلاً ومن الباطل أخذ الموظف لهذا المال بدون حق، زيادة على أجرته المقررة له شهرياً، والواجب عليه أن يكون أميناً في تمكين صاحب الحق من حقه، عادلاً في خدمة الناس على أساس الشروط الموضوعة لذلك دون تحيز،  كما أنَّ فيه إبطال حق بضياع فرصة يفترض أنها متاحة للجميع.

فإعطاء العمولة لهؤلاء الموظفين إعانة لهم على باطلهم، ولئن وجد شخص دفع لهم المال دون أن يكون من طرفه تدليس أو غشّ أو تقصير؛ فقد يأتي من يدفع هذه العمولة ولا يؤدي المطلوب منه، غير أنه سيحصل على العمل لأنه دفع أكثر منك أو دفع مثلك، وفي ذلك ظلم وعدوان سيعود على  صاحب العمل؛ يقول تعالى:(( وتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِ والتَقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)){المائدة: 2}.

لكن الفوز بالعمل وغيره حق لجميع المتقدمين له، والتحايل بالمال للوصول إلى الفوز بالعمل لا يجوز، والحرمة حاصلة على المعطي والآخذ.

وليعلم أن المرتشي ساقط العدالة مردود الشهادة؛ قال الخرشي في شرحه على مختصر خليل:" هذه الأمور مما تقدح في العدالة منها أخذ الرشوة أي أخذ المال لإبطال حق أو تحقيق باطل، وأما دفع المال لإبطال الظلم فهو جائز للدافع، حرام على الآخذ ...ثم قال: ( تنبيه ): ولا تجوز شهادة مرتش أي آخذ الرشوة أي من كان شأنه ذلك ".

ويفهم من النص السابق أنّ من دفع الرشوة لدفع الظلم عن نفسه أو للوصول إلى حق تتوافر فيه شروطه، ولم يستطع الوصول إلى حقه إلا بهذه الطريقة، ولم يكن في دفعه ظلم للآخرين، فإن ذلك يجوز للدافع فقط، كما قال الشيخ عليش في منح الجليل:( وأما دفعها لتحقيق حق توقف على دفعها فلا حرمة فيه، وكذا دفعها لإبطال باطل كذلك، وإنما الحرمة على الآخذ فيهما ) ويعلم من ذلك حد الضرورة التي يجيز دفع الرشوة.

واعلم أيّها الأخ الكريم أن من ترك شيئا لله عوضه الله خيراًَ منه، واعلم أن الرزق خزينة من خزائن الله سبحانه وتعالى يفتحه لمن يشاء، وعطايا الله تنال بطاعته وتقواه لا بمعصيته، والله أعلم.

  • والخلاصة

    دفع المال للوصول إلى أمر لا يستحقه الدافع رشوة وكذا الرشوة في قلب الحق باطلاً وجعل الباطل حقاً، والضرورة المعتبرة التي تجيز بذل المال  دفع الظلم عن نفسه أو للوصول إلى حق تتوافر فيه شروطه،  ولم يستطع الوصول إلى حقه إلا بهذه الطريقة، ولم يكن في دفعه ظلم للآخرين، فالإثم على الآخذ لا على المعطي، والله أعلم.