عنوان الفتوى: الصبر على قضاء الله وقدره

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

تعرفتُ على شاب وحصل بينا مودة واتفاق على بعض الأمور، ورأيت فيه الإيمان والتقوى، وتقدم لخطبتي بعد فترة، وحصل قبول من قِبل أهلي،وأنا أسكن بدولة وهو يسكن بأخرى، والآن لنا سنة تقريباً في كل مرة يحصل بها خطوة كي يأتي لنا حتى يتم الزواج تحدث لي مصيبة أولها وفاة أخي في نفس الأيام التي أراد أن يأتي لخطبتي، والثانية انتكست نكسة مكثت فيها أشهر في المستشفى، وحصلت لنا أمور لم نكن نتخيلها في يوم، وتم إصدار فيزة له  للمجيئ للبلد الذي أسكن فيه كي يتم الزواج، وفي نفس اليوم الذي أصدرت له الفيزة حصلت لي جلطة بالدماغ، وعلى أثر هذه الجلطة الآن أنا عاجزة عن الحركة، سؤالي: هل هذه الأحداث مصادفة معنا أم إنها عارض حتى لا يتم الزواج؟ لأنني دائماً أدعو الله إذا كان هذا خيراً لي فَيَسِّرْهُ، وإذا كان هذا شراً لي أبعده عني، وهل هذا الذي يحدث هو قدرنا ولا بد لنا من الاستمرار والصبر والحمد لله أنا صابرة على هذا البلاء،وهو أيضاً، لكنني لا أريد أن أظلمه معي كوني الآن عاجزة عن الحركة، فهل يحق لي أن أتخذ قرار الانفصال عنه كوني بهذا الوضع  وهو غير راضٍ  بهذا القرار، وكلمة منكم  تكون عوناً لنا بالصبر والرضا لأمر الله وقضائه وقدره عليَّ؟

نص الجواب

رقم الفتوى

3449

26-يناير-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

 فجزاك الله خيراً أيتها الأخت الكريمة على سؤالك، ونسأل الله أن يزيدك حرصاً على تعلم أمور دينك، وأن يبارك فيك، وأن يُعَجِّلَ شفاءك، وأن يثبتك على الإيمان، وأن يُعَظِّمَ أجرك بالصبر، فأنت على خيرٍ عظيم، واعلمي حفظك الله أن الأصل تحريم التشاؤم مطلقاً، سواء كان بالأشياء أو بالأيام أو بالأماكن أو بالأشخاص أوغير ذلك، لمنافاته الإيمان بالله، وصدق التوكل عليه، ولا يملك أحد من الخلق النفع والضرَّ لأحد، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، كما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا عَدوى ولا طِيَرة وخيرها الفأل قيل:يا رسول الله؛ وما الفأل؟ قال: الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم ).

والتطير والتشاؤم بمعنى واحد، وقد جاء الشرع بالنهي عن ذلك والطيرة بخلاف الفأل، فإن الفأل محمود مستحسن وفيه حسن ظنٍ بالله تعالى، والطيرة مذمومة على كل حال، وفيها سوء ظنٍ بالله تعالى، والمؤمن مأمور أن يحسن الظن بالله تعالى وقد رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفأل ونهى عن الطيرة. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري: قال الطيبي: معنى الترخص في الفأل والمنع من الطيرة هو أن الشخص لو رأى شيئاً فظنه حسناً محرضاً على طلب حاجته فليفعل ذلك، وإن رآه بضد ذلك فلا يقبله بل يمضي لسبيله فلو قبل وانتهى عن المضي فهو الطيرة التي اختصت بأن تستعمل في الشؤم. اهــ. فحقيقة ما وقع لكِ من الابتلاء في أخيك وفي نفسك إنما هو بقدر الله تعالى، ولا صلة لهذا الشاب فيه ولا علاقة له به، فالنافع والضار هو الله تعالى، قال تعالى{قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ }التوبة51.

فلا يحدث للعبد خيرٌ أو شرٌ إلا فيما كتبه الله له أو عليه، فإذَا قدَّرَ اللهُ تباركَ وتعالَى أمرًا علَى عبدِهِ فإنهُ واقعٌ لاَ محالةَ،  كما روى الترمذي وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ : كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ: (يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ). كما أنك أثنيتِ عليه خيراً في دينه وخلقه وإيمانه، وهذه محاسن تُذكر له، وليس العكس، واحمدي الله أن رزقك شاباً صالحاً تقدم لخطبتك ورغب في الزواج منك.

واعلمي أختي الكريمة أنك على خيرٍ عظيم فيما حلَّ بك من ابتلاء، فالابتلاء للمؤمنين سنة جارية ، والدنيا دار ابتلاء ، ولا يزال المؤمن في النيا يبتلى ويتقلب في الابتلاء حتى يستريح بلقاء الله، قال تعالى {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ }البقرة155 واعلمي أن الله جعل العطايا بين طيات البلايا ، ومن المحن تأتي المنح ، فالبلاء فيه تكفير ذنوب العبد وزيادة أجره إن صبر واحتسب ، كما روى الترمذي ، وقال : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (مَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ ) وما أجمل الصبر عند الابتلاء، فحال المؤمن هو القيام بواجب الشكرعند السراء، والقيام بواجب الصبرعندالضراء، وهو مأجور في الحالتين، وكفى لأهل الصبر شرفاً وفضلاً قول الله تعالى { إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ }الزمر10 كما  روى مسلم عَنْ صُهَيْبٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ).

وعليه فيا أختي الكريمة، عافاك الله اصبري على قضاء الله وقدره، وأحسني الظن بالله تعالى، وأحسني الظن بهذا الشاب المتمسك بك رغم ما أنت فيه من ابتلاء، وهذا دليل على طيب معدنه، وصدق وفائه لك، فانتظري حتي يتبين حالك ويمن الله عليك بالشفاء. أسأل الله لي ولكِ التوفيق والعافيه، والله الموفق .

  • والخلاصة

    الأصل تحريم التشاؤم مطلقاً، وما وقع لكِ من الابتلاء في أخيك وفي نفسك إنما هو بقدر الله تعالى،ولا صلة لهذا الشاب فيه ولا علاقة له به، فاصبري على قضاء الله وقدره، وأحسني الظن بالله تعالى، وأحسني الظن بهذا الشاب المتمسك بك رغم ما أنت فيه من ابتلاء، وهذا دليل على طيب معدنه، وصدق وفائه لك، أسأل الله لي ولكِ التوفيق والعافيه .