عنوان الفتوى: معنى الزهد

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

يشدد كثير من الناس على أهمية ترك الانشغال بالدنيا إلى الانشغال بالآخرة،ولكن لو أن كل الناس زهدت بالدنيا وتركتها فمن سيعمر الأرض و يصلح فيها؟حيث إني أجادل في كون إصلاح أحوال الناس دينياً ودنيوياً أفضل من النوافل التي لا يستفيد منها سوى فاعلها؟

نص الجواب

رقم الفتوى

3431

25-يناير-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فنشكرك يا أخي السائل على اعتنائك بأمر الدين،والتعرض لمعرفة طريق الزاهدين من الصحابة والتابعين والعلماء العاملين من أئمة هذا الدين.

واعلم أن الزهد في الدنيا مطلوب وعمارتها مطلوبة أيضاً ولا تعارض في ذلك ولا يدرك هذا إلا من علم المراد من الزهد في الدنيا وهو أن لا يكون غرض الإنسان من كسب المال والقيام بالعمل في الدنيا لمجرد تحقيق رغباته فإن قصد ذلك كان مذموماً وإن قصد كسب المال لنصر الإسلام ونشره وإعانة أهله ونحو ذلك ولم يشغله كسب عن القيام بما فرض الله عليه فليس بمذموم بل يكون حينئذ كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم :"نعم المال الصالح مع الرجل الصالح" رواه ابن حبان وكان أبو بكر تاجراً وعثمان تاجراً وهكذا غيرهم من الصحابة وهم أزهد الناس في هذه الدنيا. واعلم أن العمل بهذا القصد يجعل التجارة ونحوها عبادة وقربة وانشغالاً بالآخرة وليس بالدنيا فإذا أدركت ذلك فتعالَ للمزيد مع الإمام حجة الاسلام الشيخ أبي حامد الغزالي رحمه الله في كتابه الإحياء حيث قال:

 اعلم يا أخي أن الزهد في الدنيا مقام شريف من مقامات أهل اليقين، وينتظم هذا المقام من (علم وحال وعمل) كسائر المقامات، لأن أبواب الإيمان كلها كما قال السلف ترجع إلى عقد وقول وعمل،

والزهد عبارة عن ترك المباحات التي هي حظ النفس، ولا يبعد أن يقدر على ترك بعض المباحات دون بعض كما لا يبعد ذلك في المحظورات، والمقتصر على ترك المحظورات لا يسمى زاهداً وإن كان قد زهد في المحظور وانصرف عنه، وهو على مراتب كما سيأتي، ولكن العادة تخصص هذا الاسم بترك المباحات، فإذن الزهد عبارة عن رغبته عن الدنيا عدولاً إلى الآخرة، أو عن غير الله تعالى عدولاً إلى الله تعالى وهي الدرجة العليا. والآن نريد أن نذكر الحال مع كلا طرفيه من العلم والعمل:

أما الحال: فنعني بها ما يسمى زهداً وهو عبارة عن انصراف الرغبة عن الشيء إلى ما هو خير منه، فحاله بالإضافة إلى المعدول عنه يسمى زهداً،وبالإضافة إلى المعدول إليه يسمى رغبة وحباً، فإذن يستدعي حال الزهد مرغوباً عنه ومرغوباً فيه هو خير من المرغوب عنه.

وشرط المرغوب عنه: أن يكون هو أيضاً مرغوباً فيه بوجه من الوجوه، فمن رغب عما ليس مطلوباً في نفسه لا يسمى زاهداً، إذ تارك الحجر والتراب وما أشبهه لا يسمى زاهداً، وإنما يسمى زاهداً من ترك الدراهم والدنانير لأن التراب والحجر ليسا في مظنة الرغبة.

وشرط المرغوب فيه:أن يكون عنده خيراً من المرغوب حتى تغلب هذه الرغبة، فالبائع لا يقدم على البيع إلا والمشترى عنده خير من البيع،فيكون حاله بالإضافة إلى المبيع زهداً فيه،وبالإضافة إلى العوض عنه رغبة فيه وحباً؛

ولذلك قال الله تعالى:{وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين}يوسف20معناه باعوه، فقد يطلق الشراء بمعنى البيع ووصف أخوة يوسف بالزهد فيه، إذ طمعوا أن يخلو لهم وجه أبيهم؛ وكان ذلك عندهم أحب إليهم من يوسف فباعوه طمعاً في العوض، فإذن كل من باع الدنيا بالآخرة فهو زاهد في الدنيا، وكل من باع الآخرة بالدنيا فهو أيضاً زاهد ولكن في الآخرة، ولكن العادة جارية بتخصيص اسم الزهد بمن يزهد في الدنيا،ولما كان الزهد رغبة عن محبوب بالجملة لن يتصور إلا بالعدول إلى شيء هو أحب منه، وإلا فترك المحبوب بغير الأحب محال.لكن الزهد له ثلاث مراتب

فالأول:زهد خاصة الخاصة من المحسنين:هو كما قال حجة الاسلام أبوحامد الغزالي رحمه الله في إحيائه:(والذي يرغب عن كل ما سوى الله تعالى حتى الفراديس ولا يحب إلا الله تعالى فهو الزاهد المطلق).

والثاني زهد الخاصة من المؤمنين:هو من يزهد في الدنيا ويطمع في الآخرة لكنه ليس مذموماً كما قال حجة الاسلام أبوحامد الغزالي رحمه الله في إحيائه:(والذي يرغب عن كل حظ ينال في الدنيا ولم يزهد في مثل تلك الحظوظ في الآخرة بل طمع في الحور والقصور والأنهار والفواكه فهو أيضاً زاهد ولكنه دون الأول).

والثالث زهد العامة: وهو الذي يترك بعضاً دون بعض هو كما قال حجة الاسلام أبوحامد الغزالي رحمه الله في إحيائه:( والذي يترك من حظوظ الدنيا البعض دون البعض كالذي يترك المال دون الجاه أو يترك التوسع في الأكل ولا يترك التجمل في الزينة فلا يستحق اسم الزاهد مطلقاً، ودرجته في الزهاد درجة من يتوب عن بعض المعاصي في التائبين،وهو زهد صحيح).وكما يشترط في المرغوب فيه أن يكون خيراً عنده فيشترط في المرغوب عنه أن يكون مقدوراً عليه، فإنَّ ترك ما لا يقدر عليه محال، وبالترك يتبين زوال الرغبة،ولذلك قيل لابن المبارك:يا زاهد، فقال:الزاهد عمر بن عبد العزيز إذ جاءته الدنيا راغمة فتركها، وأما أنا ففيما ذا زهدت؟.

وأما العلم الذي هو مثمر لهذه الحال فهو العلم بكون المتروك حقيراً بالإضافة إلى المأخوذ كعلم التاجر بأن العوض خير من المبيع فيرغب فيه، وما لم يتحقق هذا العلم لم يتصور أن تزول الرغبة عن المبيع، فكذلك من عرف أن ما عند الله باق وأن الآخرة خير وأبقى،أي لذاتها خير في أنفسها وأبقى، فبقدر قوة اليقين والمعرفة بالتفاوت بين الدنيا والآخرة تقوى الرغبة في البيع والمعاملة، حتى إنَّ مَن قوي يقينه يبيع نفسه وماله، كما قال الله تعالى:{إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة}التوبة111ثم بين أن صفقتهم رابحة فقال تعالى: " فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به " فليس يحتاج من العلم في الزهد إلا إلى هذا القدر: وهو أن الآخرة خير وأبقى وقد يعلم ذلك من لا يقدر على ترك الدنيا، إما لضعف علمه ويقينه

  فعلامة الطمع: الرغبة الإمساك، وعلامة الزهد الإخراج: فإن أخرجت عن اليد بعض الدنيا دون البعض فأنت زاهد فيما أخرجت فقط ولست زاهداً مطلقاً، وإن لم يكن لك مال ولم تساعدك الدنيا لم يتصور منك الزهد، لأن ما لا يقدر عليه لا يقوى على تركه

  قلت: ليس من الزهد في الدنيا الترك بالكلية وإنما يراد أن تكون معرضا عنها في قلبك راغبا فيما عند الله عز وجل لكن من علامته انفاقها في مظانها،وعدم الامتناع والتردد فيها عند لزومها، وعلى هذا الأخير لا يعني الزهد الترك بالكلية ولن تجد أحدا من الناس وإلا وقد أمسك من الدنيا على قدر حاجته لكن لا يعني ان نقول لست زاهدا،وإنما يعرف بالتمسك فيها عند طلبها فمن أمسكها بمقتضى العلم، وانفقها بمقتضى العلم فهو الزاهد ، وكل صالح لم يجمع بين ثلاثة أمور فهو ناقص فعليه أن يجمع بين (المعرفة والعبادة والزهد) كما قال زروق المالكي في قواعده، فمعرفة بلا عبادة وزهد دعوى بلا حقيقة ،وعبادة بلا زهد ومعرفة دعوى بلا حقيقة، وزهد بلا معرفة وعبادة دعوى بلا حقيقة فلزم التبصبر والتثبت والتمييز. والله أعلم.

  • والخلاصة

    ليس من الزهد في الدنيا الترك بالكلية وإنما يراد أن تكون معرضا عنها في قلبك راغبا فيما عند الله عز وجل لكن من علامته إنفاقها في مظانها، وعدم الامتناع والتردد فيها عند لزومها. والله أعلم