عنوان الفتوى: باب التوبة مفتوح

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

 أنا شاب مسلم و لكن لم يكن لي أي صلة بالإسلام؛ سوى أني و لدت مسلماً؛ لقد عصيت الله سبحانه في كل شيء إلا الشرك به و الحمد لله، و لم أكن أصلي و لكنني كنت أصوم رمضان، و الله أنا الأن نادم على ذلك وصرت أصلي وأحاول قدر المستطاع أن تكون كل صلواتي في المسجد خاصة صلاة الفجر، وصرت أقرأ القرأن و أدعو الله كل يوم أن يغفر لي ما فعلت. سؤالي:هل سيغفر لي الله ما فعلت؟ هل هناك ما أستطيع فعله كي أمحو هذه السيئات؟ والله إني أخاف من يوم القيامة و من الله و من القبر و إني أخاف أنه لن يُغفر لي ما فعلت؟

نص الجواب

رقم الفتوى

3409

15-فبراير-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فيا أخي السائل الكريم بارك الله بك، وغفر لك، وجزاك الله خيراً وبراً، وتقبل الله توبتك، وجعلك من عباده الصالحين:

ونقول بداية هنيئاً لك بالتوبة، ونحمد الله تعالى أن أنقذك من ظلمات المعاصي والفواحش، وعرفك على طريق الخير والرشاد، ونسأل الله تعالى أن يثبتك على طريق الهداية، حتى تلقى الله وهو عنك راض. وبقدر ما أنت حزين ومتألم على ذنوبك السابقة، بقدر ما يجب أن تفرح بفضل الله عليك، وإكرامه لك بالتوبة إليه، لأنه سبحانه يفرح بتوبة عبده ورجوعه إليه. فإياك أن تيأس من رحمة الله.

كما جاء في صحيح مسلم من طريق أَنَس بْن مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم:َ"  لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ".

ومن عظيم رحمة الله تعالى أنه يغفر الذنوب جميعاً إلا الإشراك به. قال الله تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً }[النساء48].

ويقول سبحانه وتعالى في سورة الزمر: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}[الزمر53]. واعلم أن التائب حبيب الرحمن: { إن الله يحب التوابين } (البقرة: 222). والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ". رواه ابن ماجه، ورجاله ثقات.

بل إن الله من فضله وإحسانه يبدل السيئات في حق التائبين إلى حسنات، قال سبحانه وتعالى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} (الفرقان:70).

 فاثبت يا أخي على توبتك واجعلها توبة صادقة نصوحاً، ومن شروطها: الإقلاع عن الذنب، والندم على ما فات، والإصرار على عدم العودة إلى المعصية مرة أخرى مهما كانت الأسباب والظروف. واقطع العلاقة تماماً بكل الناس الذين عصيت الله تعالى معهم، ولا تتصل بهم، وحاول تغيير أرقام هواتفك، وعنوانك، فمن شروط التوبة الصادقة ترك أرض المعصية، يعني: ترك أجواء المعصية وبيئتها وصحبتها.

واعلم يا أخي أن للدعاء أثراً فعَّالاً وقوياً في رفع المحن والبلايا، فأكثر من الدعاء، وكلما اتهموك وشككوا فيك وفي توبتك  فقم في جوف الليل وبث شكواك إلى الله تعالى كما جاء في سورة يوسف:{إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}[86]. وأكثر من ذكر الله تعالى، ومن قول "لا حول ولا قوة إلا بالله". وردد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين".

وعليك يا أخي المسارعة إلى الطاعات، واغتنام الأوقات فيما يقربك إلى الله عز وجل، والإكثار من العمل الصالح،  فإن الحسنات يذهبن السيئات؛ قال الشيخ ابن عطاء الله السكندري المالكي رحمه الله تعالى في حكمه:( من علامات موت القلب عدم الحزن على ما فاتك من الطاعات وترك الندم على ما فعلت من الزلات ). وقال أيضاً: ( والحزن على فقدان الطاعة مع عدم النهوض إليها من علامات الاغترار) فهذا الندم الذي يعتريك دليل على حياة قلبك والحمد لله على ذلك ويحتاج إلى شكر الله تعالى.

وقال الشيخ صالح عبد السميع الابي الأزهري في الثمر الداني في تقريب المعاني شرح رسالة ابن أبى زيد القيرواني المالكي وهو يفصل فيما على التائب فعله:" (والتوبة فريضة من كل ذنب) وهي الندم على ما فات والإقلاع عن الذنب في الحال، والنية أن لا يعود وقوله: (من غير إصرار) زائد لأن التوبة لا تصلح إلا برفع الإصرار (والإصرار المُقام) بضم الميم بمعنى الإقامة (على الذنب واعتقاد العود إليه ومن التوبة رد المظالم) إلى أهلها بأن يدفعها إليهم إن كانت أموالا أو يردها لوارثه فإن لم يجده ولا وجد وارثه تصدق بها على المظلوم، وإن كان أعراضا كقذف استحل المقذوف (واجتناب المحارم والنية أن لا يعود) هذه شروط التوبة الواجبة فيها. وإلى شروط الكمال أشار بقوله: (وليستغفر ربه ويرجو رحمته ويخف عذابه ويتذكر نعمته لديه) أي عليه (ويتقرب إليه) أي إلى الله تعالى (بما تيسر له) فعله وإن قلَّ (من نوافل الخير) كالصلاة لما صح من قوله صلى الله عليه وسلم عن الله:"وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ"، رواه البخاري. (وكل ما ضيع من فرائضه) التي أوجبها عليه كالصلاة (فليفعله الآن) وجوباً على الفور (و) إذا فعل التائب ما ضيعه من الفرائض ف‍ (- ليرغب إلى الله تعالى في تقبله) منه (ويتوب إليه من تضييعه) للفرائض (وليلجأ) أي يتضرع (إلى الله) تعالى (فيما عسر عليه من قيادة نفسه) إلى الطاعة لأنه سبحانه وتعالى هو المسهل والميسر. (و) يتضرع إليه في (محاولة أمره) أي فيما يشكل عليه في حاله حال كونه (موقناً) أي مصدقاً (أنه المالك لصلاح شأنه) أي حاله (و) المالك (لتوفيقه وتسديده). اهـ. والله أعلم

  • والخلاصة

    إن الله تعالى يقبل توبة العبد ويغفر له إذا تاب ورجع إلى الله، وأحسن العمل، واجتنب الزلل، ويجب على العبد التائب رد المظالم، واعتزال رفاق السوء، والبعد عن أجواء المعاصي، وننصحه بكثرة الاستغفار والذكر والدعاء والتردد إلى المساجد، وعدم اليأس من رحمة الله.