عنوان الفتوى: اللغة العربية ومسؤولية الحفاظ عليها

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

لماذا العرب لا يهتمون  باللغة العربية الكريمة خاصة في نشرها و تدريسيها بين مسلمي العالم وهي أشرف اللغات، بها نزل القرآن الكريم أشرف الكتب، وبها تكلم أفضل الرسل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فلا يمكننا معرفة و فهم ديننا الخاتم إلا بفهم لغتنا العربية؟

نص الجواب

رقم الفتوى

3321

24-فبراير-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فجزاك الله خيراً أخي السائل على غيرتك على اللغة العربية وأنت في مكانك البعيد ولا غرابة في ذلك لأن اللغة العربية هي لغة القرآن فقد قال ربنا جل وعلا:{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }[يوسف2]. بل بين ربنا فصاحة هذا اللسان بقوله:{وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ }النحل[103] أي ذو بيان وفصاحة فكيف يعلمه أعجمي. وقال جل شأنه:{بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ }الشعراء195.

 إن القرآن بالنسبة إلى العرب جميعاً كتاب لبست فيه لغتنا ثوب الإعجاز، وهو كتاب يشد إلى لغتنا مئات الملايين من أجناس وأقوام يقدسون لغة العرب، وأنت واحد مهنم؛  ويفخرون بأن يكون لهم منها نصيب لأنها لغة دينية.

لقد كان سلف الأمة يحافظون على لغتنا فهذا أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، سمع رجلاً يتكلم في الطواف بالفارسية فأخذ بِعَضُدِهِ وقال: ابتغ إلى العربية سبيلاً. (أخبار النحويين لعبد الواحد بن عمر).

و قال عطاء: رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلين وهما يَتَرَاطَنَان - يتكلمان بغير العربية - في الطواف فعلاهما بالدِّرَّةِ وقال: لا أُمَّ لكما، ابتغيا إلى العربية سبيلا. (التمهيد للعطار)

وأما علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقد  ضرب الحسن و الحسين رضي الله عنهما على اللحن. (الجامع لأخلاق الراوي للبغدادي).

وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - يضرب أولاده على اللحن ولا يضربهم على الخطأ. ( الأضداد للأنباري)

وأما ما قاله الإمام الشافعي عن اللغة العربية في كتاب الرسالة فهذا نصه: ( لسان العرب أوسع الألسنة مذهبًا، وأكثرهم ألفاظًا، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي) الرسالة للإمام الشافعي (42) والمزهر للسيوطي 

إننا ننبه باستمرار إلى ضرورة المحافظة على اللغة العربية بكون تعلمها واجباً شرعياً وواجباً وطنياً، وقد أصدر صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة قانوناً بجعل اللغة العربية اللغة الرسمية في جميع دوائر الدولة والحكومة. وقد خصصنا خطبة الجمعة الماضية للحديث عن اللغة العربية جاء فيها

اللُّغةُ العربيَّةُ

الخطبةُ الأُولَى

]الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا[([1]) وأشهدُ أنْ لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ وحدَهُ لاَ شريكَ لهُ، شرَّفَ اللغةَ العربيةَ فجعلَهَا لُغَةَ القرآنِ، وأنْزَلَهُ بأشرفِ اللُّغاتِ وأفصحِ اللهجاتِ، ويسَّرَهُ للذِّكرِ، وأشهدُ أنَّ سيِّدَنَا محمَّداً عبدُهُ ورسولُهُ, أفصحُ العربِ لساناً، وأبلغُهُمْ بياناً، القائلُ :« إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْراً»([2]) اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ وبارِكْ علَى سيِّدِنَا محمَّدٍ وعلَى آلِهِ وصحبِهِ ومَنْ تَبِعَهُمْ بإحسانٍ إلَى يومِ الدينِ.

أمّا بعدُ: فأوصيكُمْ عبادَ اللهِ ونفسِي بتقوَى اللهِ عزَّ وجلَّ، يقولُ تعالَى : ]وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * قُرْآناً عَرَبِياًّ غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [([3]).

أيُّها المسلمونَ: إنَّ للُّغةِ العربيَّةِ مكانةً تقصرُ عنْ وصْفِهَا العباراتُ، وقدسيَّةً انفرَدَتْ بِهَا عَنْ سائِرِ اللُّغاتِ، فهِيَ محفوظةٌ بِحفظِ كتابِ اللهِ الَّذِي حفظَ لَهَا وجوداً متميزاً خالداً، وهِيَ ملحوظَةٌ بعنايةِ أُولِي الألبابِ لغزارةِ مادتِهَا، وملائمتِهَا للعلومِ والآدابِ، وهِيَ عذبةُ الألفاظِ، جميلةُ المعانِي، حقًّا إِنَّهَا لغةُ القرآنِ، قالَ اللهُ سبحانَهُ وَتَعَالَى : ]إِنَّا أَنزلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ[([4]).

فالقرآنُ الكريمُ كتابُ اللهِ المبينُ، جعلَهُ اللهُ هدًى لِلْعالمينَ نزلَ بهِ الرُّوحُ الأمينُ بلسانٍ عربِيٍّ مُبينٍ لِيكونَ لنَا عزًّا ومجدًا، يقولُ عزَّ وجَلَّ: ]لَقَدْ أَنزلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ[([5]) تَحدَّى اللهُ بهِ الفصحاءَ، وأفحمَ بِهِ البلغاءَ، وضمنَ لهُ الغلبةَ والبقاءَ، وَلِمَنْ عملَ بِهِ الفوزَ والفلاحَ والارتقاءَ، أنزلَهُ اللهُ باللِّسانِ العربِيِّ الْمُبينِ، وامتنَّ بِهِ علَى الناسِ أجمعينَ، يقولُ تعالَى : ]وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [ ([6]).

عبادَ اللهِ: مَا أعظمَ هذِهِ اللُّغةَ العربيةَ الَّتِي نزَلَ القرآنُ الكريمُ بِهَا، وحُقَّ لأهلِهَا أنْ يفخَرُوا بِهَا، ويتمسَّكُوا بِهَا، ويعضُّوا عليهَا بالنَّواجذِ، ورَحِمَ اللهُ مَنْ قالَ علَى لسانِهَا، واقتبسَ مِنْ بيانِهَا([7]):

وسعْتُ كتابَ اللهِ لفظاً وغايةً ومَا ضقْتُ عنْ آيٍ بهِ وعظاتِ

فكيفَ أضيقُ اليومَ عنْ وصفِ آلةٍ وتنسيقِ أسماءٍ ومخترعاتِ

أنَا الْبَحْرُ فِي أحشَائهِ الدُّرُ كامنٌ فهَلْ ساءَلُوا الغواصَ عنْ صدفاتِي

إنَّ الُّلغةَ العربيَّةَ شعارُ الإيمانِ ولغةُ القرآنِ، اختارَهَا اللهُ تعالَى وعاءً لشريعتِهِ، ولغةً لأفضلِ رسلِهِ صلى الله عليه وسلم فالعنايةُ بِهَا مِنْ أفضلِ القرباتِ، والاهتمامُ بِهَا مِنْ أَوْلَى الأَوْلَوِيَّاتِ لتعلُّقِهَا بكتابِ اللهِ، وسنَّةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وقدْ نصَّ العلماءُ علَى أنَّ الاشتغالَ بعلومِهَا يَحصُلُ بِهِ الأجرُ العظيمُ والثَّوابُ الجزيلُ، لِمَا يترتَّبُ علَى معرفتِهَا مِنَ الْمقَاصِدِ الشَّرعيَّةِ، قالَ سيدُنَا عمرُ بنُ الخطابِ رَضيَ اللهُ عنهُ : تَعَلَّمُوا الْعَرَبِيَّةَ فَإِنَّهَا تُثَبِّتُ الْعَقْلَ ، وَتَزِيدُ فِي الْمُرُوءَةِ ([8])

أيهَا المؤمنونَ: إنَّ اللُّغةَ دعامةٌ مِنْ دعائِمِ وجودِ المجتمعِ، وقدْ حافظَ المسلمونَ علَى هذهِ اللغةِ المباركةِ، وبذَلُوا فِي سبيلِهَا الغالِيَ والنَّفيسَ خدمةً لكتابِ اللهِ تعالَى، وتعلقاً بِالدِّينِ، فكانَ مِنْهُمْ مَنْ صرَفَ هِمَّتَهُ إلَى النَّحوِ والصَّرفِ والبلاغةِ، وكانَ مِنْهُمْ مَنِ اعتنَى بالشِّعرِ رِوَايةً ودرايةً، قالَ ابنُ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهُمَا: إَذَا سَأَلْتُمُونِي عَنْ غَرِيبِ الْقُرْآنِ فَالْتَمِسُوهُ فِي الشِّعْرِ، فَإِنَّ الشِّعْرَ دِيوَانُ الْعَرَبِ([9]).

ومِنْ أعظمِ هؤلاءِ الَّذِينَ حافظُوا علَى هذِهِ اللغةِ أولئكَ الَّذِينَ أنفقُوا أعمارَهُمْ فِي خدمةِ كتابِ اللهِ حفظاً وتفسيرًا وإعراباً، ونقلُوا لنَا القرآنَ الكريمَ بكلِّ رواياتِهِ، وبكلِّ قراءاتِهِ، وضبطُوا قواعدَ اللغةِ، وكتبُوهَا فِي مؤلفاتٍ عظيمةٍ، أفلاَ يجدُرُ بنَا أنْ نتأسَّى بآبائِنَا، ونُحافِظَ علَى لغتِنَا بِأَنْ نتعلَّمَهَا نحنُ وأبناؤُنَا، وأنْ نغرسَ فِي نفوسِهِمْ حبَّ لغتِهِمْ والاعتزازَ بِها مِنْ خلالِ مخاطبةِ الآخرينَ بِهَا، ومِمَّا يعينُنَا علَى ذلكَ كلِّهِ أنَّ المحافظةَ علَى اللُّغةِ العربيَّةِ وتعلُّمَهَا وتعليمَهَا عمَلٌ نتوجَّهُ بِهِ إلَى المولَى سبحانَهُ، واللهُ لاَ يُضِيعُ أجْرَ العامِلِينَ.

أيهَا المسلمونَ: إِنَّ اللغةَ هِيَ الهويةُ الناطقةُ المعبِّرةُ عَنِ الشعبِ الَّذِي يحملُهَا، ولِهَذَا قِيلَ : اللسانُ العربِيُّ شعارُ الإسلامِ وأهلِهِ، واللغاتُ مِنْ أعظمِ شعائرِ الأممِ الَّتِي بِهَا يتميزُونَ .

وإنَّ الواجبَ علَى الجميعِ أَنْ يحرصُوا علَى إعلاءِ شأنِ اللغةِ العربيةِ بالحديث بِهَا فيمَا بينَهم دائمًا وخاصةً فِي الجلساتِ العلميةِ ومجالسِ المناقشاتِ ذاتِ الشأنِ، والإعلامِ وهوَ صاحبُ الدَّوْرِ الْمُهمِّ ، فليحرصْ علَى نشْرِ اللغةِ العربيةِ الفصيحةِ الخاليةِ مِنَ الأخطاءِ، وكذلكَ المؤسساتُ المعنيةُ عليهَا أنْ تحافظَ علَى لسانِنَا العربِيِّ المبينِ الَّذِي نزلَ بِهِ كتابُنَا الحكيمُ حاملاً رسالةَ العلمِ للناسِ كافةً، فلنجعَلِ اللغةَ العربيةَ صاحبةَ مكانةٍ لائقةٍ فِي ميدانِ التعليمِ، وفِي المدارسِ والجامعاتِ وكافةِ المؤسساتِ التعليميةِ .

اللَّهمَّ زِدْنَا حبًّا لِلغةِ القرآنِ، وأعنَّا علَى المحافظةِ عليهَا، وارزقْنَا فَهْمَ كتابِكَ والعملَ بِهِ يَا أرحمَ الرَّاحمينَ ، اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لطاعتِكَ وطاعةِ مَنْ أمرْتَنَا بطاعتِه .

  • والخلاصة

    نشكرك أخي على غيرتك على اللغة العربية ونضع يدنا بيدك للارتقاء إلى عالمية لغتنا العربية.والله الموفق.