عنوان الفتوى: حكم عدم سداد القرض البنكي

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

 ما هو حكم عدم سداد القرض البنكي ومغادرة الدولة في حالة التفنيش من العمل و ليس للشخص أي مدخول آخر للسداد، أو هنالك أصول ممكن بيعها لسداد هذا القرض، وهو الشخص الوحيد المعيل لزوجته وأولاده، وهل دخول السجن أولى من مغادرة الدولة؟ وهل يبقى هذا دينٌا في عنقه؟

نص الجواب

رقم الفتوى

3298

11-فبراير-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فالدين حق لا بد من أدائه، ولا يسقط هذا الحق بالإعسار، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المـصـدوق بأداء الحقوق وأخبر أن نفس المؤمن معلقة بدينه، وكان صلى الله عليه وسلم يستعيذ من الدين؛ وقـــــال: "يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدّيْن"، رواه مسلم، وفي حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صـلـى الله عليه وسلم: "نفس المؤمن معلقة بديْنه حتى يُقضى عنه ". رواه الترمذي. والدّيْن على الــنـفــس شديد؛ ولهذا استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم منه؛ فعن أنس بن مالك قـال: كــان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:" اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والـعـجـــــز والكسل، والجبن والبخل، وضَلَع الدّيْن وغَلَبة الرجال ".

فإذا كان بإمكانك تسديد الديون المترتبة عليك، ولو ببيع بعض ممتلكاتك التي يمكن الاستغناء عنها فيجب عليك ذلك في أسرع وقت ممكن، ولا يجوز للمسلم أن يستدين مبلغاً من المال وهو يعلم أنه يعجز عن وفائه، ولا يقدر على سداده، أو ينوي الهروب والتملص من هذا الدين، ومثل ذلك الشخص الذي يستدين وهو يعلم أنه سيغادر البلد بعد إنهاء خدماته، ولن يتمكن من العودة، ولا من وفاء الدين، فهذا باب من أبواب السرقة، ومن العبث المؤدي إلى تضييع حقوق الناس وإتلاف أموالهم.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:" مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ ". أخرجه البخاري في صحيحه.

 وعَنْ شُعَيْبِ بْنِ عَمْرٍو حَدَّثَنَا صُهَيْبُ الْخَيْرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:" أَيُّمَا رَجُلٍ يَدِينُ دَيْنًا وَهُوَ مُجْمِعٌ أَنْ لَا يُوَفِّيَهُ إِيَّاهُ لَقِيَ اللَّهَ سَارِقًا ". رواه ابن ماجه في سننه.

 عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ:" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دِينَارٌ أَوْ دِرْهَمٌ قُضِيَ مِنْ حَسَنَاتِهِ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ ". رواه ابن ماجه في سننه.

 وجاء في مواهب الجليل:( فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْآثَارُ إنَّمَا وَرَدَتْ فِيمَنْ تَدَايَنَ فِي سَرَفٍ ، أَوْ فَسَادٍ غَيْرِ مُبَاحٍ ، أَوْ فِيمَنْ تَدَايَنَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ ذِمَّتَهُ لَا تَفِي بِمَا تَدَايَنَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَتَى فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ قَصَدَ اسْتِهْلَاكَ أَمْوَالِ النَّاسِ ) ... ثم قال: ( وَقَالَ فِي التَّمْهِيدِ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ السَّابِعَ عَشَرَ لِيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ : فَالدَّيْنُ الَّذِي يُحْبَسُ بِهِ صَاحِبُهُ عَنْ الْجَنَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ هُوَ الَّذِي تَرَكَ وَفَاءً ، وَلَمْ يُوصِ بِهِ ، أَوْ قَدَرَ عَلَى الْأَدَاءِ فَلَمْ يُوفِ أَوْ أَدَانَهُ فِي غَيْرِ حَقٍّ ، أَوْ فِي سَرَفٍ وَمَاتَ ، وَلَمْ يُوصِ بِهِ ، وَأَمَّا مَنْ ادَّانَ فِي حَقٍّ وَاجِبٍ لِفَاقَتِهِ وَعُسْرِهِ ، وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَحْبِسُهُ بِهِ عَنْ الْجَنَّةِ ؛ لِأَنَّ فَرْضًا عَلَى السُّلْطَانِ أَنْ يُؤَدِّيَ عَنْهُ دَيْنَهُ مِنْ جُمْلَةِ الصَّدَقَاتِ ، أَوْ مِنْ سَهْمِ الْغَارِمِينَ ، أَوْ مِنْ الْفَيْءِ الرَّاجِعِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ صُنُوفِ الْفَيْءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ).

ولا يجوز للمدين الهروب بقصد الفرار من أداء الحق المترتب عليه، أو خوفاً من مساءلة على خطأ معتبر شرعاً،  وله أن يسافر إذا أذن له الدائن بالسفر ورضي بذلك. فحاول يا أخي أن تستأذن جهة الدين بالسفر، لأنك معسر ولا تستطيع الوفاء في الوقت الحالي.

قال العلامة الخرشي في شرحه على مختصر خليل:"  من له دين مؤجل له أن يمنع من عليه الدين من السفر البعيد الذي يحل دينه فيه في غيبة المدين ولو لم يُحط الدين بماله .... وهذا إذا كان موسراً، وأما المعسر فله أن يذهب كيف يشاء ".

وقد ندب الشرع إلى إنظار المدين إذا كان معسراً: والمعسر هو الذي لا يجد وفاء لدينه، فإنه يمهل حتى يوسر، ويترك يطلب الرزق لنفسه وعياله ودائنيه، ولا يحل مطالبته ولا ملازمته ولا مضايقته، لأن الله عز وجل أمر بإنظاره إلى وقت الميسرة فقال تعالى:{ وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} [ البقرة 280 ].

والدين لا يسقط إلا بأدائه ووفائه، أو الإبراء منه، ولا يؤثر فيه تقادم الزمان، فيبقى متعلقاً بذمة المدين المعسر إلى أن يوسر ويقوم بالآداء. والله أعلم.

  • والخلاصة

    لا يجوز للمدين المماطلة بوفاء الدين أو التخلف عن أدائه بغير عذر، فإذا كان بإمكانك تسديد الديون المترتبة عليك، ولو ببيع بعض ممتلكاتك التي يمكن الاستغناء عنها فيجب عليك ذلك في أسرع وقت ممكن، ولا يجوز للمسلم أن يستدين مبلغاً من المال وهو يعلم أنه يعجز عن وفائه، ولا يقدر على سداده، أو ينوي الهروب والتملص من هذا الدين، ومثل ذلك الشخص الذي يستدين وهو يعلم أنه سيغادر البلد بعد إنهاء خدماته، ولن يتمكن من العودة، ولا من وفاء الدين، فهذا باب من أبواب السرقة، ومن العبث المؤدي إلى تضييع حقوق الناس وإتلاف أموالهم. والله أعلم