عنوان الفتوى: حكم هجر المسلم العاصي

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

ما حكم مسلم خاصم مسلمين لأنه رأى فيهم أنهم لا يصلون ويسب بعضهم بعضاً إذا اجتمعوا،ويعملون كثيراً من الآثام ؟ أريد أن أعرف ما حكم مخاصمتهم أجائزة أم لا ؟

نص الجواب

رقم الفتوى

3241

15-يناير-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فاعلم حفظك الله:أن مسألتك فيها نقطتان: الأولى حكم هجران المسلم، والثانية حكم صحبة العصاة.

أما حكم هجران المسلم فإن الأصل في الإسلام  أنه لا يجوز هجر المسلم، إذ يتنافى الهجر مع أخلاق الإسلام، ومع ما دعا إليه وحثَّ عليه من نشر الألفة والمحبة والمودة، وهذه المعاني السامية والأخلاق النبيلة لا تتأتى بالهجر، ولكن تتأتى بالتواصل والقرب ومخالطة الأحبة والإخوان، ولكن مع ذلك فالمسلم بشر يطرأ عليه ما يطرأ على البشر من الحب والبغض، فإن وقع المسلم في أمر الخصومة بسبب من الأسباب فهجر أخاه فينبغي ألا تزيد فترة الهجر فوق ثلاث ليال، ففي الصحيحين عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام )

 

قال الإمام النووي رحمه الله كما في شرحه على صحيح مسلم: قال العلماء: في هذا الحديث تحريم الهجر بين المسلمين أكثر من ثلاث ليال، وإباحتها في الثلاث الأول بنص الحديث ، والثاني بمفهومه قالوا: وإنما عفي عنها في الثلاث لأن الآدمي مجبول على الغضب وسوء الخلق ونحو ذلك ؛ فعفي عن الهجرة في الثلاثة ليذهب ذلك العارض. وقيل : إن الحديث لا يقتضي إباحة الهجرة في الثلاثة .اهـ  

وقال الإمام ابن بطال رحمه الله في شرح البخاري : قال الطبرى: فى حديث أنس وأبى أيوب البيان الواضح أنه غير جائز لمسلم أن يهجر مسلمًا أكثر من ثلاثة أيام، وأنه إن هجره أكثر من ثلاثة أيام أثم، وكان أمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه، لأنه عليه السلام أخبر أنه لا يحل ذلك ومن فعل ماهو محظور عليه فقد اقتحم حمى الله وانتهك حرمته.

وفيه دليل هجرته دون ثلاث أيام مباح لهما ولا تبعة عليهما فيها.وقال غيره: تجاوز الله لهما عما يعرض لهما من ذلك فى ثلاثة أيام لما فطر الله العباد عليه من ضعف الحيلة، وضيق الصدر وحرم عليهما مازاد على الثلاث؛ لأنه من الغل الذى لا يحل.اهـ

ولكن مع ذلك فينبغي أن يكون غضب المسلم ، وكذا هجرانه لله تعالى لا لنفسه ولا للدنيا ، فالمسلم يحب لله ويخاصم لله ، ومع ذلك فيجوز أن تمتد الخصومة إلى أكثر من ثلاث ليال إذا وُجدت مصلحة شرعية تقتضي زيادة مسافة الهجر كأن يُعلم أن في الهجر إصلاحاً لحال المهجور، كما وقع ذلك بأمره صلى الله عليه وسلم ، لما أمر الصحابة رضي الله عنهم  أن يعتزلوا كعب بن مالك رضي الله عنه بعد غزوة تبوك حتى تاب الله عليه كما ورد في الصحيحين قال الإمام ابن بطال رحمه الله في شرح البخاري: قال المهلب: فيه من الفقه أن من خالف السنة أنه لا بأس بهجرانه وقطع الكلام عنه، وليس يدخل هجرانه تحت نهى النبى صلى الله عليه وسلم عن أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يدل على ذلك أمر الرسول بذلك فى كعب بن مالك و صاحبيه. قال بعضهم:

                   يا هاجري فوق الثلاث بلا سبب              خالفت قول نبينا أزكى العرب

                  هجر الفتى فوق الثلاث محــــرم              ما لم يكن فيه لمولانـــا سبب

 وفي مثل هذه الحالة يجوز لك هجرهم لمصلحة شرعية إذا كنت تعلم أن في هجرهم إصلاحاً لهم، أو تخشى على نفسك أن تفتن بهم وبما يفعلونه إذا خالطتهم، وإن كنا ننصحك أخي الكريم أن تكون قريباً منهم تنصحهم وتذكرهم بالله تعالى، وتعينهم على طاعة الله، ولعل وجودك إلى جوارهم خير من هجرهم خاصة إذا علمت من نفسك أن تأمن على دينك من التأثر به ، حتى لو كان اختلاطك بهم على سبيل تعاهدهم بالخير، لا على سبيل الدوام.

وأما حكم صحبة العصاة فاعلم أن الصحبة الدائمة للعصاة مع إقرارهم وعدم إرادة إصلاحهم لا تجوز شرعاً كما تعالى في سورة النساء "لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا " آية 114 وقال تعالى في سورة الفرقان "وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً 27 يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلاً 28 لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولاً" آية 29  وأخرج البخاري في صحيحه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما ان تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحاً طيبة ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحاً منتنة" وقال الشاعر:

فصاحب تقيا عالما تنتفع به      فصحبة أهل الخير ترجى وتطلب
وإياك والفساق لا تصحبنهم      فقربهم يعدي وهذا مجرب
فإنا رأينا المرء يسرق طبعه      من الإلف ثم الشر للناس أغلب

كما قيل طين لاصق أو مؤثر      كذا دود مرج خضرة منه يكسب
وجانب ذوي الأوزار لا تقربنهم      فقربهم يردي وللعرض يسلب
والله أعلم .

  • والخلاصة

    الأصل أنه لا يجوز هجر المسلم، فإن وقع المسلم في أمر الخصومة بسبب من الأسباب فهجر أخاه فينبغي ألا تزيد فترة الهجر فوق ثلاث ليال، ما لم تكن هناك مصلحة شرعية تقتضي زيادة مسافة الهجر، وإن كنا ننصحك أخي الكريم أن تكون قريباً منهم تنصحهم وتذكرهم بالله تعالى، وتعينهم على طاعة الله ولو على سبيل تعاهدهم بالخير، لا على سبيل الدوام،غير أن الصحبة الدائمة للعصاة مع إقرارهم وعدم إرادة إصلاحهم لا تجوز شرعاً. والله أعلم .