عنوان الفتوى: معنى كما تدين تدان

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

 عندما تأتي عمتي لزيارتنا يقوم والدي هداه الله تعالى بشتمها وسبِّها، وعندما تبدأ بالبكاء يغير الموضوع ويبدو مازحاً؛ ولكن عمتي تقول: إنها لن تسامحه أبداً وأنه سوف يرى هذا في بناته! فهل صحيح أن الزمن سوف يدور علي أنا ويعاملني إخوتي هكذا؟! أي كما يعامل أبي أخته؟!  والقاعدة الشرعية تقول:" ولا تزر وازرة وزر أخرى "؟ وكيف نفهم "كما تدين تدان"؟ وعندما كنت مخطوبة طلبت من خاطبي الانفصال عنه دون أن أذكر  له السبب! وقال لي: إن الزمن سوف يدور عليَّ ويأتي رجلٌ بعده لخطبتي ويتركني كما تركته! مع أني تركته لأني لم أستطع أن أكتم كذبة قلتها له ولا أستطيع البوح بها لأني أضرُّ بها أشخاصاً آخرين فقررت الانفصال والابتعاد. فهل سيدور علي زمان بهذه الحالتين؟

نص الجواب

رقم الفتوى

3238

15-يناير-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

 فاعلمي أن والدك هداه الله يتصرف مع عمتك بما لا ينبغي فيضحك عليها، ويقلل من هيبتها واحترامها أمام أولاده، ثم يخلط الجد بالهزل والمزاح! وهذه طريقة غير لائقة، تخالف شرع الله تعالى في المزح وفي الجدِّ، فلا يجوز لإنسان أن يسخر من إنسان، ومن وقع في ذلك فعليه بالمسارعة إلى التوبة كما جاء في سورة الحجرات:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11)".

وننصحك أن تقومي بواجب التذكير والنصيحة لوالدك بضرورة احترام عمتك مع المحافظة على أدب التخاطب مع الوالد الكريم.

ثانياً- إن الله سبحانه وتعالى لا يظلم الناس شيئاً، ويحاسب كل إنسان على ما عمل :"فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)" وفي سورة الكهف " وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49)".

وإنَّ القاعدة الشرعية أن كل إنسان رهنٌ بما اكتسب ولا يحمل أحد وزر غيره، وقد نصت عليها آيات كثيرة وهي مبدأ عادل ورد في جميع الشرائع السماوية فقد قال تعالى في سورة الأنعام:" قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164)".

وفي سورة الإسراء:" مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً (15)".

وفي سورة فاطر :"وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (18)".

وفي سورة الزمر :"إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7)".

وفي سورة النجم :"أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الأَوْفَى (41)".

وأحببنا أن نورد كل الآيات لتتدبري معناها، وتتيقني أنه لا يمكن أن يحاسب الله تعالى إنساناً على ذنب اقترفه غيره سواء كان والداً أو غيره.

ثالثاً- أما القاعدة الشرعية الأخرى "كما تدين تدان" فهي صحيحة أيضاً، فقد ورد ذكرها في صحيح البخاري في تفسير سورة الفاتحة:" وَسُمِّيَتْ أُمَّ الْكِتَابِ أَنَّهُ يُبْدَأُ بِكِتَابَتِهَا فِي الْمَصَاحِفِ وَيُبْدَأُ بِقِرَاءَتِهَا فِي الصَّلَاةِ وَالدِّينُ الْجَزَاءُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَمَا تَدِينُ تُدَانُ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: { بِالدِّينِ } بِالْحِسَابِ { مَدِينِينَ } مُحَاسَبِينَ ".

 وفي فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر- (ج 13 / ص 458) ووقع مرسل أبي قلابة:" البر لا يبلى والإثم لا ينسى والديان لا يموت وكن كما شئت كما تدين تدان " ورجاله ثقات أخرجه البيهقي في الزهد".

وإن معنى "كما تدين تدان" يؤكد أنه لا يحمل أحد وزر غيره، ففي لسان العرب - (ج 13 / ص 164) "و الدِّين : الجزاء والمُكافأَة . و دِنْتُه بفعلِه دَيْناً : جَزَيته ... و يومُ الدِّين : يومُ الجزاء . وفي المثل : كما تَدِينُ تُدان أَي كما تُجازي تُجازَى أَي تُجازَى بفعلك وبحسب ما عملت وقيل : كما تَفْعَلَ يُفْعَل بك".

فالمعنى واضح في أن الإنسان يجازى بما عمل، فلا تخشي أختنا الفاضلة من أن يدور الزمان ويعاملك إخوتك كما عامل أبوك أخته! وإذا حصل من إخوتك هذا لا سمح الله فإنَّما هو ابتلاء من الله تعالى لتصبري وتحتسبي ويرفع الله مقامك عنده، وليس عقاباً لك على ما فعله أبوك بأخته!

وإذا حصل أنك خطبت من إنسان ثم تركك فإن الأمر قسمة ربانية، وليس كما فسر لك خطيبك الأول، والله أعلم.

  • والخلاصة

    المعنى واضح في أنَّ الإنسان يجازى بما عمل، فلا تخشي أختنا الفاضلة من أن يدور الزمان ويعاملك إخوتك كما عامل أبوك أخته! وإذا حصل من إخوتك هذا لا سمح الله فإنما هو ابتلاء من الله تعالى لتصبري وتحتسبي ويرفع الله مقامك عنده، وليس عقاباً لك على ما فعله أبوك بأخته!

    وإذا حصل أنك خطبت من إنسان ثم تركك فإن الأمر قسمة ربانية، وليس كما فسر لك خطيبك الأول، والله أعلم.