عنوان الفتوى: حكم هُجْرَان زوجة الأب

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

هل تعتبر قطيعتي أنا وإخوتي وأمي لزوجة أبي من قطع الرحم أم لا ؟حيث إننا حتى عندما نراها لا نسلم عليها ولا نتقبلها أبداً؟

نص الجواب

رقم الفتوى

3228

15-يناير-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فاعلمي حفظك الله أن الله تعالى عظَّم الرحم وأعلى شأنها ورفع منزلتها ، وندب الشرع الشريف إلى صلة الأرحام ورتَّب على ذلك الأجر الكثير والثواب الجزيل.

فقد روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه،ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه،ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت). وروى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(من سرَّه أن يبسط له في رزقه أو ينسأ له في أثره فليصل رحمه).

كما وردت أحاديث تحذر من قطيعة الرحم وتبين خطورتها على صاحبها،فقد روى مسلم عن عائشة رضي الله عنهاقالت:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله،ومن قطعني قطعه الله)، وروى مسلم أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(لا يدخل الجنة قاطع رحم) .

والرحم التي تجب صلتها ويحرم قطعها هي القرابات من جهة أصل الإنسان ، كأبيه وجده وإن علا ، وفروعه كأبنائه وبناته وإن نزلوا . وما يتصل بهما من حواش كالإخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات وما يتصل بهم من أولادهم برحم جامعة، وقد ورد ذلك فيما رواه النسائي وابن حبان والحاكم وصححه ووافقه الذهبي عَنْ طَارِقٍ الْمُحَارِبِيِّ قَالَ: قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ النَّاسَ وَهُوَ يَقُولُ : ( يَدُ الْمُعْطِي الْعُلْيَا وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ أُمَّكَ وَأَبَاكَ وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ ).

قال الإمام النووي رحمه الله كما في شرحه على صحيح مسلم:قَالَ الْقَاضِي عِيَاض:وَلَا خِلَاف أَنَّ صِلَة الرَّحِم وَاجِبَة فِي الْجُمْلَة،وَقَطِيعَتهَا مَعْصِيَة كَبِيرَة قَالَ: وَالْأَحَادِيث فِي الْبَاب تَشْهَد لِهَذَا، وَلَكِنَّ الصِّلَة دَرَجَات بَعْضهَا أَرْفَع مِنْ بَعْض وَأَدْنَاهَا تَرْك الْمُهَاجَرَة ، وَصِلَتهَا بِالْكَلَامِ وَلَوْ بِالسَّلَامِ ، وَيَخْتَلِف ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْقُدْرَة وَالْحَاجَة ، فَمِنْهَا وَاجِب ، وَمِنْهَا مُسْتَحَبّ ، وَلَوْ وَصَلَ بَعْض الصِّلَة لَمْ يَصِل غَايَتهَا لَا يُسَمَّى قَاطِعًا، وَلَوْ قَصَّرَ عَمَّا يَقْدِر عَلَيْهِ وَيَنْبَغِي لَهُ لَا يُسَمَّى وَاصِلًا .

 قَالَ : وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّ الرَّحِم الَّتِي تَجِب صِلَتهَا ، فَقِيلَ : هُوَ كُلّ رَحِم مَحْرَم بِحَيْثُ لَوْ كَانَ أَحَدهمَا ذَكَرًا وَالْآخَر أُنْثَى حَرُمَتْ مُنَاكَحَتهمَا . فَعَلَى هَذَا لَا يَدْخُل أَوْلَاد الْأَعْمَام وَلَا أَوْلَاد الْأَخْوَال ، وَاحْتَجَّ هَذَا الْقَائِل بِتَحْرِيمِ الْجَمْع بَيْن الْمَرْأَة وَعَمَّتهَا أَوْ خَالَتهَا فِي النِّكَاح وَنَحْوه ، وَجَوَاز ذَلِكَ فِي بَنَات الْأَعْمَام وَالْأَخْوَال . وَقِيلَ : هُوَ عَامّ فِي كُلّ رَحِم مِنْ ذَوِي الْأَرْحَام فِي الْمِيرَاث ، يَسْتَوِي الْمَحْرَم وَغَيْره ، وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ثُمَّ أَدْنَاك أَدْنَاك " هَذَا كَلَام الْقَاضِي . وَهَذَا الْقَوْل الثَّانِي هُوَ الصَّوَاب ، وَمِمَّا يَدُلّ عَلَيْهِ الْحَدِيث السَّابِق فِي أَهْل مِصْر : " فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّة وَرَحِمًا " وَحَدِيث " إِنَّ أَبَرّ الْبِرّ أَنْ يَصِل أَهْل وُدّ أَبِيهِ " مَعَ أَنَّهُ لَا مَحْرَمِيَّة . وَاَللَّه أَعْلَم .اهـ

ومما سبق يتضح أن زوجة الأب ليست من الأرحام ، ولكن مع ذلك يحرم قطيعتها، لأنها صارت فرداً من أسرتكم لما تزوجها أبوك، فقيمتها وقدرها من قيمة أبيك وقدره طالما أنه رضيها لنفسه زوجة.

هذا بالإضافة إلى أنه لا يجوز هجر المسلم ، وهي من عموم المسلمين، ففي الصحيحين عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ ) قال الإمام النووي رحمه الله في شرحه على صحيح مسلم : قَالَ الْعُلَمَاء : فِي هَذَا الْحَدِيث تَحْرِيم الْهَجْر بَيْن الْمُسْلِمِينَ أَكْثَر مِنْ ثَلَاث لَيَالٍ ، وَإِبَاحَتهَا فِي الثَّلَاث الْأُوَل بِنَصِّ الْحَدِيث ، وَالثَّانِي بِمَفْهُومِهِ . قَالُوا : وَإِنَّمَا عُفِيَ عَنْهَا فِي الثَّلَاث لِأَنَّ الْآدَمِيّ مَجْبُول عَلَى الْغَضَب وَسُوء الْخُلُق وَنَحْو ذَلِكَ ؛ فَعُفِيَ عَنْ الْهِجْرَة فِي الثَّلَاثَة لِيَذْهَب ذَلِكَ الْعَارِض . وَقِيلَ: إِنَّ الْحَدِيث لَا يَقْتَضِي إِبَاحَة الْهِجْرَة فِي الثَّلَاثَة .اهـ

ونحن نُقَدِّر غضب أمك بسبب زواج أبيك من الزوجة الثانية، لأنها ترى كما ترى النساء ممن في نفس حالتها أن الزوجة الثانية شاركتها في زوجها ( أبيك ) ولذا فهي تفعل ما تفعله من قطيعة ضرتها، ومع ذلك فحاولي أن تخرجي من عباءة غضب أمك من زوجة أبيك، وصلي زوجة أبيك ولو بالسلام فهو أدعى لحصول الألفة والمودة، وإزالة ما في النفوس من ضغائن، فالعلاقة  بين الناس ينبغي أن تقوم  على المودة والرحمة والتسامح.

واعلمي أن في صلتك لزوجة أبيك طاعة لله تعالى ، وفيه إدخال السرور على أبيك عندما يرى الألفة والمحبة بين أهله وذويه ، ولعلَّ صلتك بها تخفف من قطيعة أمك لها، وتقرب مسافات البعد بينهما ، وحاولي أن تنصحي أمك بتلطف وترفق بصلتها ولو بالسلام طاعة لله تعالى إذ لا يجوز هجر المسلم، نسأل الله أن يصلح بينكم وأن يؤلف بين قلوبكم ، وأن يديم بينكم المودة والمحبة ، والله أعلم .

 

  • والخلاصة

    زوجة الأب ليست من الأرحام ، ولكن مع ذلك يحرم قطيعتها ، لأنها صارت فرداً من أسرتكم لما تزوجها أبوك فقيمتها وقدرها من قيمة أبيك وقدره طالما أنه رضيها لنفسه زوجة هذا بالإضافة إلى أنه لا يجوز هجر المسلم وهي من عموم المسلمين،والله أعلم .