عنوان الفتوى: بين النفاق والإيمان

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

أحيانا أشعر بعدم الارتياح لبعض الأشخاص الذين أتعامل معهم. وينتابني شعور بأني أفضل منهم، رغم أني على يقين أن الأفضلية عند الله بالتقوى والعمل الصالح. وأحيانا أشعر أني لا أحب الخير لبعض الناس.والآن يسيطر علي الشعور بأني سيئة والشر يملأ قلبي مع أني ولله الحمد أعامل الناس معاملة طيبة. فهل يعتبر هذا نفاقاً و أكون فعلا شريرة وآثمة؟وهل هناك سبيل للتخلص من هذه المشاعر والأفكار؟

نص الجواب

رقم الفتوى

3170

14-يناير-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فاعلمي أختي السائلة أن صفاء السيرة من صفاء السريرة، والعكس صحيح ويتعين على المسلم أن يكون دائما سليم السريرة على امة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، كثير الدعاء لهم ما أمكن.

وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم وحذَّر من احتقار الناس، وأنها خصلة ذميمة تتنافى مع طبيعة المسلم، وليحذر المسلم من هذا، فإن الجزاء من جنس العمل لأنك تُرى من حيث ترى ، ( الأولى بضم التاء والثانية بفتحها)، فمن رأي شخصا بأمر قابلة الآخر بنفس الأمر كما وكيفا جزاءً وفاقا. وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً، المسلم أخو المسلم: لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يكذبه، ولا يحقره.التقوى ههنا - ويشير إلى صدره ثلاث مرات - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه) رواه مسلم. وقد جاء في هذا الحديث نفائس للإمام النووي رحمه الله أحبننا أن تتطلعي عليها لتقفي على معاني كلماته صلى الله عليه وسلم :

ومعنى " وكونوا عباد الله إخواناً " أي تعاملوا وتعاشروا معاملة الأخوة ومعاشرتهم في المودة والرفق والشفقة والملاطفة والتعاون في الخير مع صفاء القلوب والنصيحة بكل حال.

قوله:" المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره " والخذلان: ترك الإعانة والنصرة ومعناه: إذا استعان به في دفع ظالم أو نحوه لزمه إعانته إذا أمكنه ولم يكن له عذر شرعي.

قوله:" ولا يحقره " أي لا يتكبر عليه ولا يستصغره ،وقال القاضي عياض: ورواه بعضهم بضم الياء وبالخاء المعجمة وبالفاء أي لا يغدر بعهده ولا ينقض إيمانه والصواب المعروف هو الأول.

قوله صلى الله عليه وسلم: " التقوى ها هنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات " وفي رواية " إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم " . معناه أن الأعمال الظاهرة لا تحصَِّل التقوى وإنما بما يقع في القلب من عظمة الله تعالى وخشيته ومراقبته، ونظر الله تعالى أي رؤيته محيطة بكل شيء. ومعنى الحديث والله أعلم مجازاته ومحاسبته وإن الاعتبار في هذا كله بالقلب.

قوله: " بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم " فيه تحذير عظيم من ذلك لأن الله تعالى لم يحقره إذ خلقه ورزقه ثم أحسن تقويم خلقه وسخر ما في السموات وما في الأرض جميعاً لأجله وإن كان له ولغيره فله من ذلك حصة ثم إن الله سبحانه سماه مسلماً ومؤمناً وعبداً وبلغ من أمره إلى أن جعل الرسول منه إليه محمداً صلى الله عليه وسلم فمن حقر مسلماً من المسلمين، فقد حقر ما عظم الله عز وجل وكافيه ذلك فإن من احتقار المسلم للمسلم أن لا يسلم عليه إذا مر ولا يرد عليه السلام إذا بدأ به؛ وأما ما ينقمه العاقل على الجاهل، والعدل على الفاسق، فليس ذلك احتقار للمسلم، بل لما اتصف به الجاهل من الجهل،والفاسق من الفسق. فمتى فارق ذلك رجع إلى احتفاله به ورفع قدره. والله اعلم

  • والخلاصة

    لا يجوز لمسلم أن يحتقر مسلما لعموم النهي في ذلك، وإنما الاحتقار يكون للفعل الذي يفعله الشخص غالبا لا للشخص فإن الذوات لا تحتقر، وينتهي الأمر من صدره إذا أقلع الشخص الآخر من هذا الفعل، وإن تعودوا نعد، وكيفية تخلص المسلم من هذا بأن يرى النقص فيه أصلا ، ومن كان كذلك لا يحق له أن ينظر للآخرين بهذا الأمر حتى يتخلص من شوائب نقصه، فحيئذ يرجع الى حظيرة قدسة وأنسه فيدخل في أطوار التخلص من شوائب الأكدار فإذا تخلص فقد تكمَّل فحينئذ يرى كمال الآخرين بإذن الله تعالى والله أعلم.