عنوان الفتوى: حكم وضع اليد على المصحف عند الحلف

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

طلبت من زوجي أن يقسم ويده على القرآن ألا يكرر فعلته مرة أخرى ويتوب إلى الله، فهل يجوز القسم على القرآن لهذا السبب؟

نص الجواب

رقم الفتوى

3153

14-يناير-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فاعلمي حفظك الله أن الحلف على المصحف إنما هو لتغليظ اليمين ليعظم خوف الحالف أن يحلف بوجود القرآن، ولا فرق بين أن يكون القرآن كاملاً أو بعضه.

والحلف بوضع اليد على المصحف لم يرد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يُعْرَف عن أحدٍ من الصحابة الكرام رضي الله عنهم، ولكنه من الأمور التي استحدثها القضاة تغليظاً لليمين، ليكون أشد ردعاً للظالمين وأكثر تخويفاً لهم من الكذب.

قال الإمام الحطاب المالكي في مواهب الجليل :" قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ وَمِنْ التَّبْصِرَةِ : وَأَمَّا التَّغْلِيظُ بِالتَّحْلِيفِ عَلَى الْمُصْحَفِ فَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ :هُوَ بِدْعَةٌ لَمْ يَرِدْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَقَدْ أَجَازَهُ الشَّافِعِيَّةُ ".اهـ

هذا بالنسبة للتحليف عند الخصومات، وأما فعل الشخص ذلك من تلقاء نفسه، فهو كسائر الأيمان، وإن كان فاعله صادقاً فلا شيء عليه، وإن كان كاذباً فقد باء بإثم عظيم، فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الحلف بالله كذباً من الكبائر وسمى هذه اليمين باليمين الغموس، لأنها تجلب لصاحبها آثاماً كثيرة، وهي التي تغمس صاحبها في النار والعياذ بالله، وفي كفارتها خلاف بين العلماء، فقد روى البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :( الْكَبَائِرُ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَقَتْلُ النَّفْسِ وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ ). 

ولعلّك لجأتِ إلى هذا الأسلوب من تحليف زوجك على المصحف بسبب كراهتك الشديدة لما يفعل، و خوفك عليه من عقاب الله تعالى.

ولكن اعلمي أختي السائلة الكريمة أن العبد إذا أراد أن يترك الذنب فليس السبيل إلى تركه أن يحلف ألا يفعله، لا سيما إن كان يُخَافُ منه بعد ذلك الرجوع إليه، وكانت ذنوبه كثيرة، والعبد ضعيف بطبيعته إلا من وفقَّه الله وأعانه على نفسه، لأن ذلك سيؤدي به حتماً إلى كثرة الحلف، وهو منهي عنه، وكون الحلف على المصحف مما يزيدها تأكيداً، ويعظِّم الإثم عند الكذب   وقد نهانا الله أن نتهاون باسم الله من خلال الاستكثار بالحلف به، قال تعالى :{ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم} [البقرة:224].

قال الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره :" وقيل: المعنى لا تستكثروا من اليمين بالله فإنه أهيب للقلوب، ولهذا قال تعالى: (واحفظوا أيمانكم) وذم من كَثَّر اليمين فقال تعالى :(ولا تطع كل حلاف مهين) والعرب تمتدح بقلة الأيمان ... وعلى هذا أن تبروا معناه: أقلوا الأيمان لما فيه من البر والتقوى، فإن الإكثار يكون معه الحنث، وقلة رعي لحق الله تعالى، وهذا تأويل حسن.. انتهى.

وعليه فيا أختي السائلة الكريمة، السبيل الأمثل لترك الذنوب هو أن تنصحيه بالمعروف، وتأخذي بيديه لطريق الهداية من خلال الدعاء له أن يتوب الله عليه، وذكِّريه بالله وبالجنة والنار، وذكِّريه بفضل التوبة الصادقة النصوح وأثرها على صاحبها.

وشروطها ثلاثة هي: الإقلاع عن الذنب، والندم على ما مضى، والعزيمة الصادقة على ألا يعود إلى ما عمل من خطايا وسيئات، فإن صدقت التوبة فسيقبلها الله تعالى، ولن يعود إلى الذنب بإذنه مرة أخرى، لكن مع ذلك فإن عاد إلى الذنب فلا ييأس أن يتوب الله عليه.

فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن رجلاً أذنب ذنباً فقال: رب إني أذنبت ذنباً أو قال عملت عملاً ذنباً فاغفره، فقال عز وجل: عبدي عمل ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب، ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، ثم عمل ذنباً آخر، أو أذنب ذنباً آخر، فقال: رب إني عملت ذنباً فاغفره، فقال تبارك وتعالى: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي، ثم عمل ذنباً آخر، أو أذنب ذنباً آخر، فقال: رب إني عملت ذنباً فاغفره، فقال: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء ).

قال الإمام النووي رحمه الله في شرحه على صحيح مسلم :"ولو تكررت مائة مرة بل ألفاً وأكثر وتاب في كل مرة قبلت توبته، أو تاب عن الجميع توبة واحدة صحت توبته ". انتهى

 ولاتيأسي أنتِ أيضاً من نصحه وتذكيره بالله تعالى، واعلمي أن الله تعالى لا يعجزه هداية زوجك، ولو شاء لهداه بغير جهدٍ منك، ولعل الله ابتلاك بهذا الزوج حتى تنصحيه وتصبري عليه فتؤجري، أعانك الله وهداك لما يحبه ويرضاه، وأصلح زوجك وأكرمك فيه، والله الموفق.  

 

  • والخلاصة

    الحلف بوضع اليد على المصحف لم يرد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يُعْرَف عن أحدٍ من الصحابة الكرام رضي الله عنهم، ولكنه من الأمور التي استحدثها القضاة تغليظاً لليمين، ليكون أشد ردعاً للظالمين وأكثر تخويفاً لهم من الكذب، ولا ينبغي لمن أراد ترك المعاصي أن يحلف بالله على المصحف ألا يفعلها خشية ضعف نفسه فيزلَّ بالوقوع في المعصية، والأفضل الأخذ بأسباب الهداية كالتوبة النصوح، والله أعلم.