عنوان الفتوى: حكم تحديد جنس الجنين

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

هل يجوز تحديد جنس المولود؟ لأن هناك طرقاً طبية تساعد على تحديد النوع من خلال إشراف طبيبة ؟

نص الجواب

رقم الفتوى

3111

03-مارس-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

 فجزاك الله خيراً أيتها الأخت الكريمة على سؤالك، ونسأل الله أن يزيدك حرصاً على تعلم أمور دينك، وأن يبارك فيك ..

واعلمي حفظك الله أن تحديد جنس الجنين وذلك بفصل الحيوان المنوي المسؤول عن الذكورة أو الأنوثة ومن ثم تلقيح البويضة به، لا مانع شرعاً منه إذا توافرت فيه الشروط التالية :

ـ أن توجد حاجة داعية إلى ذلك: كأن يكون الغرض من ذلك تجنب بعض الأمراض الوراثية في الذكور، أو الإناث، أو يكون غالب أولاد الرجل من نوع، فيحب أن يكون له ولد من النوع الآخر. 

ـ و أن يكون ذلك قبل تخلق الجنين، لا بعد التخلق.

ـ أن نأمن من اختلاط الحيوانات المنوية الخاصة به بحيوانات غيره.

ـ أن تتمَّ هذه العملية بطريقة علمية مؤكدة، بحيث يرجع فيه إلى أهل الاختصاص من الأطباء والطبيبات الثقات، وليس فيها ارتكاب محرم.

ـ ألا تؤدي هذه العملية إلى كشف العورة مطلقاً إلا إذا كانت هناك ضرورة ملحة.

 مع توكله على الله، وعلمه أن كل شيء بأمره، وأن ما يسعى إليه إنما هو سبب من الأسباب إن شاء الله أمضاه، وإن شاء أبطله، فإن اجتمع جميع ما ذكرناه آنفا فنقول: يجوز لك ذلك، وأن الأسباب لا تنفع بذاتها وإنما النفع حاصل بقدرة الله تعالى، والأخذ بالأسباب مطلوب شرعاً، ولا حرج عليك في الأخذ بالأسباب مع عدم اعتقاد تأثيرها علة أو طبعاً.

فهذه العملية إذا كانت مضبوطة بالضوابط الشرعية المذكورة؛ بحيث يكون التلقيح من ماء الزوجين فقط، والحمل يكون في رحم الزوجة، وأن لا تتضمن تلك العملية الاطلاع على عورة أحد الزوجين ما لم تكن هناك ضرورة، فإذا توافرت هذه الشروط فلا حرج فيها شرعاً، لأن ما يجريه الأطباء حينئذ لا يخرج في حقيقة الأمر عما قدره الله لهما من مولود، فهو من قدر الله وسبب يجريه ليكون في النهاية ما قضى سبحانه. 

وقد ورد في قرارات مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثالث بعمان أن هناك طريقين للتلقيح الصناعي لا حرج من اللجوء إليهما عند الحاجة مع التأكيد على ضرورة أخذ كل الاحتياطات اللازمة وهما:

الأولى :أن تؤخذ نطفة من زوج و بويضة من زوجته ويتم التلقيح خارجياً ثم تزرع اللقيحة في رحم الزوجة.    

الثانية: أن تؤخذ بذرة الزوج وتحقن في الموضع المناسب من مهبل زوجته أو رحمها تلقيحاً داخلياً .ا.هـ.

وليس في تحديد جنس الجنين اعتداء على مشيئة الله، ولا ادعاء علم ما في الأرحام، قال تعالى: { ويعلم ما في الأرحام } [ لقمان : 34 ]. لأن حصر علم ما في الأرحام في كونه ذكراً أو أنثى لا دليل عليه البتة لأن المعنى أعم وأشمل من ذلك، فهو يتعلق بعلم ما في الأرحام من ذكورة وأنوثة، وصلاح وفساد، وحياة وموت، وشقاء وسعادة، وقوة وضعف، ونحو ذلك مما لا يعلمه إلا الله،

ولا يفهم من جواز تحديد جنس المولود أن هذا من باب تغيير خلق الله، فهذا فهم خاطئ، لأنه لم يأت بخلق جديد، ولم يغير في خلق الله شيئاً، لأن الحيوان المنوي هو نفسه، و البويضة هي ذاتها لم يطرأ عليهما أي تغيير في خلقتهما، ومن المعلوم أن البويضة لا يخترقها إلا حيوان منوي واحد، وغاية الأمر أنهم فصلوا هذا الحيوان ( مع تحديد نوعه ) ولقحوا به البويضة. 

قال الإمام القرطبي المالكي في تفسيره عند تفسير قوله تعالى: { وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ } [ الأنعام : 59 ] : قال ابن العربيّ : وكذلك قول الطبيب: إذا كان الثَّدْي الأيمن مسودّ الحَلَمة فهو ذكر، وإن كان في الثدي الأيسر فهو أنثى، وإن كانت المرأة تجد الجنب الأيمن أثقل فالولد أنثى؛ وادعى ذلك عادة لا واجباً في الخلقة لم يكفر ولم يفسق .اهـ

وطلب جنس معين من الولد له أصل في الشرع، كما قال تعالى: { فهب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضياً } [ مريم: 5/6 ] 

وإن كنَّا ننصح بأن يصبر الإنسان على اختيار الله له، ويرضى بما قسم الله تعالى له، وأن يستسلم لقضاء الله تعالى وقدره، فلا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، وأن يسأله الذرية الصالحة، فهو أفضل من السعي في هذا السبيل وقد يكون في وجود الأنثى أضعاف ما في وجود الذكر من الخير والسعادة، حسبما يقدره الله تعالى، فما في كل ذكر خير، ولا في كل أنثى شر، ومن كلام علمائنا : كُنْ على مراد الله ولا تكن على مراد نفسك، وما قدره الله لك هو خيرٌ مما تمنَّيته لنفسك، والله أعلم.

  • والخلاصة

    يجوز إجراء عملية تحديد الجنين إذا كانت مضبوطة بالضوابط الشرعية المذكورة مع التوكل على الله، والعلم أن كل شيء بأمره، وأن ما يسعى إليه إنما هو سبب من الأسباب إن شاء الله أمضاه، وإن شاء أبطله، وأن الأسباب لا تنفع بذاتها وإنما النفع حاصل بقدرة الله تعالى، لأن ما يجريه الأطباء حينئذ لا يخرج في حقيقة الأمر عما قدره الله لهما من مولود، فهو من قدر الله وسبب يجريه ليكون في النهاية ما قضى سبحانه، والله أعلم.