عنوان الفتوى: حكم الأكل من ذبيحة المسلم العاصي

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

إن لي جيراناً لا يخافون الله في شيء ويتعاطون المخدرات والمشروبات المسكرة ..   في أول أيام العيد أحضر لي ما يقرب من كيلو لحم بقر أضحية، وعلمت أن الأضحية من أقارب آخرين اشتروا الأضحية من دكان جيراني فقمت برميها في سله النفايات خوفاً من أن أطعم أولادي وعائلتي من لحوم ماشية قد تكون مما أهل به لغير الله؛ حيث إن الذي قام بنحرها هو من جيراني المذكورين، وهم أناس لا يتصرفون بأحكام الإسلام ولا يصلون، فهل أخطأت عندما رميت الأضحية ؟ 

نص الجواب

رقم الفتوى

3082

31-ديسمبر-2008

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

 فاعلم أنه يجوز لك الأكل من هذه الأضحية ما دامت قد ذبحت ببلاد إسلامية وأن الذابح لها مسلم، إذ الأصل أنها ذبحت بطريقة شرعية وذكر اسم الله عليها، ولو جهلت كيفية الذبح بأن لم تكن شاهداً للذبح ساعتها، لأن الأصل حل ذبيحة المسلم؛ فقد أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبيحة غير المسلم.

 جاء في الصحيحن عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه ( أَنَّ امْرَأَةً يَهُودِيَّةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا فَجِيءَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِك، فَقَالَتْ: أَرَدْتُ لِأَقْتُلَكَ، قَال: مَا كَانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَاك ؟ قَال: أَوْ قَالَ: عَلَيَّ، قَال: قَالُوا: أَلَا نَقْتُلُهَا ؟ قَال: لَا، قَال: فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم ).

فأنت ترى أخي السائل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أكل من هذه الشاة وهي من امرأة يهودية ولم يسأل عن كيفية الذبح ولا عن كونها من يهودية.

ولذا قال في التاج والإكليل ما نصه: ( وَالْمَشْهُورُ صِحَّةُ ذَكَاةِ مَنْ لَا يُصَلِّي )، وقال أيضاً: ( وَمِنْ قَوْلِ مَالِك: يُقْبَلُ قَوْلُ الْقَصَّابِ فِي الذَّكَاةِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى أَوْ كِتَابِيًّا أَوْ مَنْ مِثْلُهُ يَذْبَحُ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ إذَا قَالَ هَذِهِ ذَكِيَّةٌ صُدِّقَ قَالُوا: وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الْمَرْأَةُ الْوَاحِدَةُ يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي إهْدَاءِ الزَّوْجَةِ لِزَوْجِهَا كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ أَيْضًا: إنَّ الصَّبِيَّ وَالْأُنْثَى وَالْكَافِرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَقْبُولٌ قَوْلُهُ فِي الْهَدِيَّةِ وَالِاسْتِئْذَانِ ).

وقال العلامة ابن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى في تحفة المحتاج: ( وَتَحْرُمُ مَذْبُوحَةٌ مُلْقَاةٌ، وَقِطْعَةُ لَحْمٍ بِإِنَاءٍ إلَّا بِمَحَلٍّ يَغْلِبُ فِيهِ مَنْ تَحِلُّ ذَكَاتُهُ، وَإِلَّا إنْ أخبر مَنْ تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ، وَلَوْ كَافِرًا بِأَنَّهُ ذَبَحَهَا ).

فالاستثناء في قوله:( إلا بمحل يغلب فيه من تحل ذبيحته ) يفهم منه حل هذا اللحم الذي قدم إليك، وبهذا قال العلامة منصور البهوتي في كشاف القناع: " (وَيَحِلُّ مَذْبُوحٌ مَنْبُوذٌ؛ أَيْ مُلْقًى بِمَوْضِعٍ يَحِلُّ ذَبْحُ أَكْثَرِ أَهْلِهِ، وَلَوْ جُهِلَتْ تَسْمِيَةُ الذَّابِحِ لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ الْوُقُوفُ عَلَى كُلِّ ذَبْحٍ وَعَمَلًا بِالظَّاهِرِ) ".

إلا إذا علمت أنهم ذبحوها وهم سكارى فهنا لا يجوز لك أكلها لأنهم قد يكونوا ذبحوها بطريقة غير شرعية ويدعون أنهم ذبحوها بطريقة صحيحة، فقد قال في التاج والإكليل: ( وَلَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ السَّكْرَانِ إذْ لَا يُصَدَّقُ وَيَأْكُلُهَا هُوَ وَحْدَهُ. اُنْظُرْ هَذَا مَعَ جَوَازِهِمْ أَكْلَ ذَبِيحَةِ السَّارِقِ وَمَنْ لَا يُصَلِّي ). وبناء عليه نقول لك: لا شيء عليك في أكلك من هذه الأضحية.

وما فعلته من إلقائها وإتلافها فغير جائز وهو هدر للمال، ولكن ما دمت قد شككت به فكان بوسعك أن تتصدق به لمن لا يعرف الحال، وبذلك تكون قد أبعدت الشبهة عن نفسك ولم تأكل مالاً مشبوهاً وهو الأفضل لك لما تحمله من ورع، وبشرط عدم حاجة أبنائك وأهلك له إذ الأمر يقدر بقدره.هذا وبالله التوفيق

  • والخلاصة

    يجوز أكل هذه الأضحية ولا يجوز هدر هذا اللحم؛ والصدقة به هي أحسن الأحوال عند عدم الحاجة له. والله أعلم